مؤلفات – موقع الاستاذ الدكتور ماهر موسى العبيدي http://www.al-obaidy.com/ يحتوي الموقع على السيرة الذاتية للدكتور و مقالاته و مؤلفات Mon, 25 Dec 2017 17:00:45 +0000 en-US hourly 1 https://wordpress.org/?v=4.9.3 إصلاح التعليم العالي في تركيا وإصلاح التعليم العالي في العراق https://www.al-obaidy.com/education_turkeyvsiraq/ https://www.al-obaidy.com/education_turkeyvsiraq/#comments Fri, 22 Jan 2010 09:06:29 +0000 https://www.al-obaidy.com/?p=730 لطالما كانت ليلة الخميس ليلة سعيدة لي لأن اليوم الذي يليها يكون يوم الجمعة ،  فأستطيع خلالها السهر حتى ساعة متأخرة ، ولا أفكر في الاستيقاظ مبكرا .

كنت أستغل ذلك المساء في القراءة ، ومراجعة بحوث الطلبة ، وتصحيح أوراقهم الامتحانية ، وغيرها من النشاطات، وغالباً ما كنت أضع الراديو الصغير بالقرب مني لسماع الأخبار ، وخاصة خلال عقد الثمانينات في القرن الماضي ، حيث كانت الاوضاع الساخنة والحرب العراقية الايرانية مستمرة ومستعرة .

في أحد الليالي توقف مؤشر الراديو على محطة صوت العرب ، حيث نشرة الاخبار ونبه المذيع المستمعين قائلاً :- ( وبعد نشرة الاخبار أعزائي المستمعين سنستمع الى تقرير مراسلنا العلمي في تركيا وسيكون موضوع حديثه هذه الليلة أصلاح التعليم العالي في تركيا ) وضعت الكتاب جانباً وانصرفت لمتابعة الأخبار ، متشوقاً لسماع التقرير الذي يتناول موضوع مهم لدينا في العراق ، وهو أصلاح التعليم العالي والبحث العلمي .

أنتهت النشرة وبدأ مراسل إذاعة صوت العرب العلمي بالحديث فقال :- فكرت الحكومة التركية بإصلاح التعليم العالي لأهمية هذا القطاع ودوره الحيوي في النهوض الاقتصادي والاجتماعي ، واتفقت على تكليف الاستاذ الدكتورأحسان الدوه غرمجي  في إجراء ذلك ، ومنحته الصلاحيات كافة ، ووفرت له الامكانيات اللازمة كافة ، والأستاذ إحسان الدوه غرمجي هذا أستاذ الطب في جامعة السوربون ، ذو ثروة مالية جيدة ، وهو عراقي الأصل من مدينة كركوك ، ولطالما استضافه الدكتور عبد العزيز الدوري رئيس جامعة بغداد سابقاً خلال فترة الستينيات من القرن الماضي أستاذاً زائراً فيها ، للإفادة من خبرته  بمحاضرات مهمة يلقيها على طلبة جامعة بغداد.

فماذا عمل الأستاذ احسان الدوه غرجي ؟ وماذا خطط ؟

عزيزي القارئ كما كان يقول مراسل صوت العرب، يملك الدكتورأحسان الدوه غرجي جامعة خاصة هي جامعة (حاجة تبة) للطب والهندسة ، فقام بإعادة تأهيلها وأستكمل ملاكها العلمي والفني والاداري بأفضل الاساتذة والمتخصصين والفنيين ، وجهزها بأفضل الأجهزة والمعدات والمواد والكتب والمجلات العلمية وكل ما تحتاجه مثل هذه الجامعة من مواد ومستلزمات ، وحرص على أن تكون نسبة الطلبة للتدريسيين في كلية الهندسة عشرة طلاب فقط في الشعبة الواحدة ، والطب ستة طلاب فقط ، وأضاف المراسل أن هذا العدد القليل او الذي هو وفق النسبة العلمية الصحيحة جعل التدريسي أخاً للطلبة ، ثم وقف الدوه غرمجي جميع ممتلكاته وثروته لهذه الجامعة ، ولم يبق يملك سوى بيته الصغير الذي اوصى ان يكون بعد وفاته ملكاً للجامعة .

هذا هو الأنموذج الرائع الذي أقامه الدكتور أحسان الدوه غرجي لأصلاح التعليم العالي في تركيا ، ثم أوصى الحكومة التركية ان تكون جامعة ( حاجة تبة ) جامعة حكومية ان استطاعت الحكومة ان تجعل مستوى جامعاتها الحكومية بمستوى جامعته جامعة ( حاجة تبة ) وبذلك أنهى مراسل اذاعة صوت العرب العلمي في تركيا حديثه العلمي .

لا اخفي عليك عزيزي القارئ ألمي الشديد على حال التعليم العالي والبحث العلمي في العراق عند سماعي الحديث ، والذي لا زال كما هو حتى ألان ، وأنا في ذلك لا أنتقص أبداً من كفاءة وعلمية هيئات التدريس في جامعاتنا ـ شيباً و شباباً ، أساتذة أو مدرسين مساعدين ـ ولا من كفاءة وشوق طلبتنا للدراسة والبحث ، بل العكس فأني دائم الثقة بما يتمتع به تدريسيونا من إمكانيات علمية وما يمتلكه طلبتنا من رغبة في نهل العلم مهما صعب او صعبت الظروف، وانا على علم وثيق بذلك طيلة نصف قرن قضيتها في التعليم العالي ـ هي عمر التعليم العالي الحديث في العراق بالتمام والكمال ـ إنما ألمي وحسرتي كانت ـ ولا زالت ـ على ما أعده ذلك العبقري التركي العراقي الاصل من أنموذج رائع لاصلاح التعليم العالي في تركيا، فأين هو أنموذجنا في العراق .

ولن أحدثك عزيزي القارئ عن إصلاح التعليم العالي الاهلي او الخاص ، بل إصلاح التعليم العالي والبحث العلمي الحكومي في العراق ، لأن التعليم الخاص في العراق مازال يحبو ويزحف خلف التعليم العام او الحكومي ، ولن يصل إلى مستواه إلا بجهد جهيد من جميع جوانبه ونواحيه لعشر سنوات قادمة ( وهذا رأيي الخاص ) اما التعليم العالي العام فهو مشكلة المشاكل.

وسأتحدث عنها بالتفصيل لأورخ هذا الجانب الذي بات خطيراً  ، والذي أعتقد أن الحديث فيه واقتراح الحلول له بات ضرورياً ، فضلا عن انه واجب علمي ووطني ينبغي ان يتصدى له مسئولو وأساتذة التعليم العالي كلهم ، وأصحاب القرار في الدولة والحكومة ،  وعلماء العراق في الاختصاصات المختلفة التي لها علاقة ومساس بمؤسسات التعليم العالي ومؤسسات القطاعات الأخرى ، وذلك لوضع استراتيجية متكاملة وهادفة لأصلاح التعليم العالي والبحث العلمي ، يكون بعدها قادراً على السير في الطريق الصحيح ، ولا يحتاج إلى ندوات وسياسات أو مؤتمرات او أوراق لإصلاحه ، لأن هدف هذا القطاع ومؤسساته بجامعاته وهيئاته هو اصلاح جميع قطاعات المجتمع الاقتصادية الانتاجية والخدمية ، ورفدها بالموارد البشرية المؤهلة .

وإن سألتني عزيزي القارئ : وما هو رأيك ؟ أو أدلو بدلوك وبيان ما تقترحه لاصلاح هذا القطاع الذي قضيت نصف قرن من عمرك في خدمته ؟ فسأوجز ما لدي بالآتي :

أولاً / مسيرة التعليم العالي في العراق ومحاولات الإصلاح

لم يكن التعليم العالي في العراق ممثلاً بجامعة بغداد ومن ثم بجامعة الموصل وجامعة البصرة وحتى أستحداث وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سنة 1970م بحاجة إلى أصلاح ، وبغض النظر عن بعض السلبيات البسيطة التي ليس لها شأن ، لأن مسيرة تلك الجامعات منذ تأسيس أمها جامعة بغداد سنة 1957 وحتى انفصالهما ( الموصل والبصرة ) في 1/4/1967  لم تكن ـ جميعاً ـ بحاجة إلى إصلاح ، ومسيرتها عموماً رصينة وقويمة وذلك بفضل ما كانت ترصده لها الدولة من منح مالية ( وليس تخصيصات كما صار لاحقاً ) والاهم بفضل مسؤوليها جميعاً ،الأساتذة العلماء  حملة أرقى الشهادات من مختلف الجامعات الرصينة من مختلف البلدان الراقية  ، ولا أنسى أن اذكر ان جامعة بغداد التي بدأت بعض اقسامها تمنح الماجستير والدكتوراه قبل اكثر من اربعين سنة، ورغم ما أصاب جامعة بغداد من خلل في هيكليتها الجامعية وتشكيلتها الادارية بسبب دراسة خاطئة نفذت سنة 1968.

وبالرغم من بدء التسلق الحزبي للقيادات العلمية في الجامعات ولكنها لم تكن واسعة وحذرة ، وذلك لثقل وعلو مستوى هيئات التدريس فيها ـ بما فيهم غير العراقيين ـ فبقي مستوى التعليم العالي عالياً ، وحتى بعد تأسيس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سنة 1970 وصدور قانونها الاول الرصين فأن واقع التعليم العالي والبحث العلمي بقى رصيناً .

وجاء المؤتمر العلمي الاول للتعليم العالي والبحث العلمي سنة 1972 لترصين التعليم العالي وتعميق البحث العلمي .

ثانياً / ندوة اصلاح التعليم العالي الاولى سنة 1981

بعد عقد السبعينيات وما مر بالعراق من أحداث ، وبعد بدء الحزب القائد والواحد في حملة التسييس والكسب الحزبي وابتعاث وعودة الكثير من الكفاءات التي كان ينبغي عليها أن تقدم الطاعة والولاء ، وبعد اندلاع حرب عرفت بدايتها و لم تعرف نهايتها ، عقدت في ربيع سنة 1981 ندوة اصلاح التعليم العالي والبحث العلمي الأولى ، وما تمخض عنها كان واضحاً لا يحتاج الى برهان ، فهي لم تحقق الا تغيير الوزير الذي وعد بلامركزية التعليم العالي ، فإذا به يحول التعليم الى ادارته المركزية ، وكذلك العودة الى النظام التعليمي السنوي والغاء نظام الفصول ، فكان ذلك القرار رجعة سريعة الى الوراء ، ولم يتحقق خلال فترة الخمس سنوات في عقد الثمانينات أي شي يمكن ان يذكر لصالح ندوة الإصلاح ، أما ما لحق بأعضاء هيئة التدريس من شتى صفوف الخوف والارهاب السلطوي فهو ما يحتاج الى الف مقال .

ثالثاً / ورقة اصلاح التعليم العالي والبحث العلمي سنة 1989

اما هذه الورقة التي اعدتها دوائر وزارة التعليم العالي من مسؤولي ديوانها ، أو بمساهمة من كانوا يعلمون ان ما سوف يكتب يجب أن يكون ـ حسب المرام ـ فأنها ( وحسب رأيي ) من اكبر مهازل الوزارة في ظل ذلك النظام، وان كان من المؤكد ان هناك نسخا من ذلك الكتاب الذي يحتوي تفاصيلها تجدها عزيزي القارئ تتركز في محاور ثلاثة هي :-

1 . جامعة بغداد .

2 . التدريسيون من خريجي الدول الاشتراكية .

3 . التدريسيون من خريجي الجامعات العراقية .

لقد كانت تلك الورقة تشير الى ان اصل البلاء في التعليم العالي وتخلفه هو جامعة بغداد        ( فتصور ذلك ) لأن ضخامتها وتوزعها على أنحاء مختلفة في بغداد يجعلها متخلفة في الاداء ، ولا اعلم ما علاقة هذا بذاك ؟ ولماذا نسى واضع الورقة أن جامعة بغداد أدارت جامعة الموصل والبصرة قبل تأسيسهما ؟ وأدارت لاحقاً ـ لفترة ـ جامعة السليمانية ، وولدت من رحمها مؤسسة البحث العلمي وهيئة المعاهد الفنية ( كما كانت تسمى آنذاك ) .

أما مسألة التدريسيين خريجي الدول الاشتراكية ، وعدَ وجود نسبة كبيرة منهم في الجامعات العراقية أحد أسباب هبوط كفاءة التعليم ، فلم تأتي هذه الورقة بجديد ، بل سارت على نهج ذلك النظام ، وكأن الوزارة  نفسها لم تكن هي التي بعثت اغلب هؤلاء الذين تعزو الورقة ضعف التعليم العالي إليهم إلى تلك البلدان ، أو أنها لم تقبل ايدي مسؤولي تلك البلدان لعقد الاتفاقيات، الا اذا كانت تلك الاتفاقيات هدفها السفرات وقضاء اجمل الأوقات في مصايف أو مشاتي تلك البلدان .

أما السبب الثالث الذي ذكرته الورقة فلم يكن الا مثيراً للعجب والاستغراب، فبدلاً من ان تشيد الورقة بجهود الجامعات العراقية ورصانتها وكفاءة اساتذتها وجهودهم في الاشراف وتخرج حملة شهادة الماجستير والدكتوراه لرفد الجامعات والمؤسسات وبأعلى الكفاءات ، عدت كل خريجيها من اوطأ المستويات، وبما يثير أكثر العجب والاستغراب أن أغلب معدي الورقة قد ساهموا وشاركوا في الاشراف وقبضوا اجور المحاضرات والمكافآت على جهودهم المضنية في الاشراف ، إلا إنهم اتهموا الخريجين بضعف المستوى في تلك الورقة البائسة ، وإنهم من احد اسباب هبوط كفاءة الأداء عند ذاك .

ولا أخفيك عزيزي القارئ ان اغلب من دعي للمشاركة ( كما سمعت ) قد صفق لذلك الهراء مع الأسف لان من لا يصفق سوف يلحق به ما يلحق من شر وبلاء ، كما ولا اخفيك عزيزي القارئ اني حمدت ربي كثيراً الذي انقذني من شر واضع تلك الورقة ، الذي كاد ان يقتلني خنقاً في إحدى ليالي آب اللهاب لأني لم اصفق لورقته ووجهت لها الكثير من الانتقاد ، وقد علمت أن الوزير الذي امضى ثلاث سنوات ولم ينجز الا تلك الورقة ( التي امر الوزير الذي تلاه ان ترمى في صندوق القمامة كالأزبال ) عندما عرضها على رئيس او قائد النظام وسأله إن أردنا تنفيذها فكم نحتاج من الاموال ؟ اجابه الوزير بأنه لا يعلم فطلب منه رئيس ذلك النظام ان يحسب الحساب ويجلب الارقام فاستلمت أمراً بأعداد الحساب ولكنني بطبيعة الحال لا أستطيع الاعتذار فأجهدت نفسي اسبوعين من الزمان بعمل متواصل ليل نهار لتحديد المقدار ولكن ما خصص لتنفيذها لم يكن ولا حتى افلاس( جمع فلس) .

رابعاً / خطة اصلاح التعليم العالي سنة 1992

بعد فرض الحصار على ابناء هذا الشعب الفقراء ، وبعد أن بدأ التدريسيون يفكرون بالهروب، وبعد ظهور الحاجة لفتح جامعات جديدة ، وتوقف قبول الطلبة المبعوثين خارج العراق ، ولحصول كثير من الاخفاقات في مسيرة التعليم العالي ـ وقد تكون هناك اسباب اخرى لا يعلمها الا الله ـ عقدت تلك الندوة الشهيرة والخاصة بأصلاح التعليم العالي والبحث العلمي ، والتي ترأس جميع جلساتها رئيس ذلك النظام ، ودار فيها ما دار من كلام في اصلاح التعليم العالي في العراق ، ورغم سخونة الحوارات وتحمس المشاركين للأصلاح وتحدي الحصار ، ورغم ما أوصى به رئيس ذلك النظام بضرورة رعاية اعضاء هيئة التدريس والاغداق عليهم بالرواتب والمخصصات وغيرها من المكرمات ، إلا أن ما حصل هو منحهم حفنة من الدنانير التي كانت قيمتها تتطاير في الهواء ( أو أنها أشبه ببيض اللقلق الذي يباع للأطفال ) اما بقية ما اوصى به من أغداق ، فلم يعر احد له بال واعتقد انه لو قال لهم اجمعوا اعضاء هيئة التدريس وكبلوهم بالأغلال لنفذوا ذلك بلحظات .

لم تسفر تلك الندوة عن نتائج ايجابية الا التوسع في الدراسات العليا للتعويض عن البعثات ، ورغم المعارضة الشديدة لكن اعتمد هذا المساق لتحمس رئيس النظام له ، ولكن هل استفادت الجامعات العراقية من مخرجات هذا التوسع ؟ وهل تحقق له ما كان يجب من إمكانات ؟ إني اعتقد أن ما تحقق من نجاح كان بفضل جهود التدريسيين والطلاب اولاً ، وللجامعات نفسها وبموازنتها الشحيحة ثانياً، ولكن كان اغلب الخريجين من حملة الماجستير والدكتوراه ـ ومنهم عدد لا يستهان به من النساء ـ قد اعد العدة والحساب للسفر في اول فرصة ممكنة للعمل في دول الجوار .

خامساً / المؤتمرات والندوات المعقودة للفترة من 1992 ولغاية الوقت الحاضر

عندما كنت اعمل في احدى الجامعات خارج العراق ـ حتى قبل انهيار النظام بشهر من الزمان حيث عدت للعراق لمشاركة الاهل والاقرباء في قد ما يصيبهم من بلاء ـ سمعت أن  مؤتمراً قد عقد في احدى السنوات ولكنه لم يعن التعليم العالي والبحث العلمي على الخروج مما هو عليه من حال ، أما ما جلب له من اتفاقيات النهب مقابل الغذاء ، أو بفضل تهريب الاموال فأن اغلبه من أسوأ المناشئ والماركات، وكان المسؤولون عن ذلك الاستيراد والتسويق او طرائق التجارة والمفاوضات ثم ابرام الاتفاقيات قليلو الخبرة والاختصاص ، وهذا هو السبب الرئيس لعدم كفاءة الاجهزة والالات والمواد التي وردت للجامعات والهيئات بموجب تلك الاتفاقيات ، ولا أتهم احداً بسبب اخر من الاسباب .

أما بعد انهيار النظام وقيام نظام آخر ، فقد عقدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مؤتمراً سنة 2004 واستطيع أن أؤكد جازماً انه كان كلاماً في كلام ، لان الجامعات والهيئات وكلياتها واقسامها العلمية بقيت بحاجة إلى كل شئ خاصة بعد ما أصابها من خراب وان ما حصلت عليه من اموال ومساعدات أعانها على الوقوف على يديها ـ وليس على رجليها ـ بعد أن كانت تقف على راسها في سنوات ذلك النظام المنهار .

هذا وان طلبت مني عزيزي القارئ إيضاح ماذا حصل بعد ذلك من جهود ومحاولات لاصلاح التعليم العالي والبحث العلمي في العراق فأني سوف اذكرها ضمن مقترحاتي في الإصلاح  ، التي تحتاج لتنفيذها عقدا من الزمان ـ في أقل تقدير ـ وليس لأسابيع أو أشهر من الزمان ، لأن ذلك ضرب من الخيال ، لذلك أرى أننا إن رغبنا في أصلاح التعليم العالي والبحث العلمي فينبغي ان نعمل بالاتي :-

1. اختيار القيادات العلمية والادارية المسؤولة في ديوان الوزارة والجامعات والهيئات

إصلاح التعليم العالي والبحث العلمي ـ وكما تحدثت في المقدمة ـ يتطلب أن يكون من يكفل له قيادة التعليم العالي في ديوان الوزارة ، أو في الجامعات والهيئات والكليات والأقسام العلمية ، ممن هم في اعلى المستويات والرتب العلمية ـ وكما ذكرت ذلك بصورة مفصلة في مقالتي الموسومة ( أستقلالية الجامعات العراقية بين الواقع والطموح ) ـ وبدون ذلك سيحصل لبس او أرتباك لقلة تجربة من يتولون ادارة التعليم العالي ، فأن لم يكونوا من ارقى المستويات ـ بالنزاهة والعلم والانضباط والخبرة المتكاملة بالقانون والادارة والمال ـ فلا فائدة من اسناد هذه المناصب لأي منهم ، سواء أكان ذلك بالانتخابات الحزبية ، أم المحاصصات ، أو المخاصصات ،  أو أي نوع من انواع الولاءات ، لأن على من ينبغي أن يشغل مثل هذه المناصب أن يكون متكامل الكفاءات وليس الولاءات او غيرها ، كما حدث في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات ، حيث انيطت بالحزبيين قليلي الخبرة والكفاءة .

وما حصل بعد انهيار النظام فأغلب هذه المناصب في قيادة التعليم العالي والبحث العلمي سلمت على وفق انتخابات لا قانون لها ولا أساس ولا أي باب، وفاز بها غير قليل ممن لا خبرة ولا مؤهلات ، ولا زالت أغلب التعيينات لا تعتمد  الشروط القانونية ولا الاعراف الجامعية  ، وما دواء هذه المشكلة الا بأعتماد مبادئ الانتخاب التي سطرت في قانون التعليم العالي والبحث العلمي الموضوع أمام انظار مجلس شورى الدولة لبيان الرأي وليأخذ دوره للتشريع في مجلس النواب .

2. مستوى الطلبة مخرجات وزارة التربية ومدخلات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

ان مخرجات قطاع التربية من الطلبة هي نفسها مدخلات التعليم العالي ، لذلك لا يمكن ان تكون مخرجات التعليم العالي عالية المستوى حين تكون مخرجات التربية هابطة المستوى والعكس بالعكس .

وهذا يعني أن يرتفع مستوى التربية في المدارس الابتدائية والمدارس الاعدادية لأفضل مستوى ممكن ، وان يدخل الطلبة الجامعة وقد استوعبوا دروسهم في الاعدادية بأفضل المستويات ، وان يكون أستعدادهم واهتمامهم بالدراسة الجامعية وأختيارهم مناسبا لمؤهلاتهم ، وان يعلموا أنهم في الجامعة في حرم آمن ، وان الجامعة أخت الجامع ، لذا يجب أن يتصفوا بأعلى مستويات الأخلاق ، وان ينكبوا على الدرس والبحث بالعقلية الجامعية المتميزة ، لا بالتلقين والحفظ دون التفكير والتأمل والمناقشة والحوار مع أساتذته وبكل ادب واحترام ، وبعكسه لا يمكن ان يكون هناك استعداد علمي مناسب للدراسة الجامعية ، وهو ما سوف يؤثر على مستوى المخرجات من الجامعات أو الهيئات .

3. أعضاء هيئة التدريس ومستواهم العلمي

لا شك ان هناك عوامل كثيرة أثرت على مستوى هذه الهيئات منها شمول البعثات والزمالات والاجازات الدراسية غير المؤهلين لها بمستوى عال ، ولثلاث عقود مضت ، ومثل ذلك يقال عن بعض من قبلوا في الدراسات العليا داخل العراق ولم يكونوا مؤهلين لها، لذلك يقتضي الامر أن نرفع مستوى أعضاء هيئة التدريس لأعلى مستوى ممكن ، من خلال الدورات التطويرية داخل العراق وخارجه ، وتهيئة السبل المختلفة التي تساعد على رفع مستوياتهم العلمية والتعليمية، فضلاً عن ان يكون أعداد التدريسيين موافقاً للنسب العلمية المعتمدة عالمياً ، والتي أصبحت من البديهيات ، وهي التي تؤكد على أن تكون نسبة التدريسيين الى الطلبة (1/20 ) في الدراسات الانسانية و ( 1/10 ) في الدراسات العلمية والتطبيقية و ( 1/6 ) في العلوم التطبيقية، وهذا ما يتطلب ان يتوفر في جامعاتنا الاتي :-

1. التدريسيون الموافقون لتلك النسب .
2. الابنية التي تتوفر فيها القاعات الدراسية الكافية للنسب العلمية أعلاه .
3. المختبرات المناسبة .

ومن المعروف أن جامعتنا كانت لحد سنة 2005 تعاني من قلة التدريسيين الى درجة كبيرة ، وان اغلب التدريسيين الذين على الملاك كانوا يعانون كثيراً من كثرة المحاضرات الاضافية يكلفون بها ، أو التي يرغبون تدريسها لأسباب مختلفة ، في حين كان هناك الآلاف من حملة شهادة الدكتوراه والماجستير دون عمل ،  على الرغم من الحاجة الماسة لخدماتهم في الجامعات والهيئات .

إلا أن قيام وزارة التعليم العالي سنة 2005 و2006 بحملتها الواسعة والموفقة في التعيينات خفف كثيراً من قلة اعضاء هيئة التدريس ، وهو الأمر الذي يتطلب أن ينظر له من زاوية الحاجة المستقبلية لهم ، بهدف رفع مستوى التعليم العالي لأفضل صورة ممكنة ، من خلال إجراء الآتي :-

أولا : التوسع في الدراسات العليا مع ضمان رصانتها لأرقى مقام .

ثانياً : التوسع في البعثات والزمالات الدراسية والاجازات الدراسية خارج العراق خصوصاً ،     والإسراع في تنفيذ البرنامج القائم الان .

ثالثاً : تحديد احتياجات التعليم العالي بصورة مستمرة ، وحسب التوسعات الحاصلة او التي تحصل فيه ، لتكون مخرجات تلك الدراسات قادرة على توفير التدريسيين المناسبين بصورة مستمرة .

رابعاً : الاخذ بنظر الاعتبار احتياجات القطاعات الاقتصادية والخدمية الحكومية والخاصة في القطر لحملة الشهادات العليا ن والعمل على توفيرها .

ولا ننسى ضرورة سد الشواغر في الملاكات العلمية بجامعاتنا بالأساتذة الكبار من الجامعات العربية والأجنبية ، تعيينا أو استضافة كأساتذة زائرين ، للإفادة من خبراتهم وعلو مستوياتهم العلمية ، واطلاع التدريسيين العراقيين على تلك الخبرات .

4. الفنيون والاداريون

تخطئ الكثير من قيادات التعليم العالي والبحث العلمي في العراق عندما يعتقد القائمون عليها أن لا أهمية لأن يكون العاملون في ديوان الوزارة او في الجامعات والكليات والمعاهد ودواوينها من الفنيين والاداريين .

وقد كان لهذا الاعتقاد اثره السلبي جداً في هبوط كفاءة أداء هذه المؤسسات ، فهي التي ترفد جميع القطاعات الاقتصادية بالمؤهلين من حملة الشهادات ، فهل يعقل أن تُدار أعمالها بمن لايمتلكون القدرة والتأهيل الكافيين ، في حين لايجد الأوائل من خريجيها مكانا للتعيين فيها في حين تعج بفنيين وإداريين بمستويات هابطة في التأهيل والأداء .

إن ما قامت به وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في السنتين الاخيريتين بتعيين العشرة  الأوائل من الخريجين ، قد حقق وسيحقق رفع كفاءة اداء الجامعات للأعمال الفنية والإدارية ، وسيكون في الوقت نفسه خير رافد للدراسات العليا في الداخل والبعثات خارج  العراق مستقبلاً.

5.الاستقلالية العلمية والادارية والمالية

يخطئ من يظن ان الجامعات والهيئات العراقية ليست لديها استقلالية علمية او ادارية او مالية، أو لم تكن قوانينها وانظمتها تتضمن الأحكام الكفيلة بتحقيق تلك الاستقلالية .

ولو نظرنا إلى قانون التعليم العالي والبحث العلمي النافذ ، أو القانون الذي ينتظر دوره للتشريع ، نجد ذلك واضحاً بصورة لا لبس عليها ولا غبار، وقد تناولت ذلك بالتفصيل في مقالتي الموسومة ( استقلالية الجامعات العراقية بين الواقع والطموح ) حيث كانت تتضمن التفاصيل والمعلومات والمقترحات كاملة في هذا الموضوع ، ولكني أعود وأؤكد أن رفع مستوى التعليم العالي والبحث العلمي ان ترصن هذه الاستقلالية ويمارسها الذين منحت لهم ولا يكتفون فقط المناداة بمنحها ، فهي موجودة واضحة في القوانين ، إلا إني اقر بأن  بقاء الجامعات والهيئات بموازنة مالية سنوية شحيحة سيكون له أسوأ الآثار على الأداء ، وأسوأ الآثار على حقيقة استقلالية هذه الجامعات والهيئات العلمية والادارية ، وليس المالية فحسب .

6.استراتيجية الوزارة في المستقبل

فيما عدا ما يتطلب تحقيقه من اهداف استراتيجية في قانون التعليم العالي والبحث     العلمي إلا هناك ما يتطلب سرعة الانجاز :-

1- الاستمرار في استكمال الملاكات العلمية من التدريسيين حملة شهادة الدكتوراه .

2- الاستمرار بالتخطيط والتنفيذ لفتح جامعات وكليات ومعاهد حسب احتياجات المحافظات ومناطق مختلفة في العراق .

3- الاستمرار في اطلاق البعثات العلمية خارج العراق للاختصاصات عالية التخصص والمجالات .

4- الاستمرار في فتح الدراسات العليا لمستويات الدبلوم العالي والماجستير والدكتوراه، وترصين مستواها بما يرفد الحاجة اليها في التعليم العالي وقطاعات الدولة المختلفة الاخرى .

5- العمل على تحسين وزيادة ما يخصص في موازنة الدولة من تخصيصات استثمارية لتوفير المباني والمنشآت الجديدة التي تحتاجها الجامعات والهيئات واعادة تأهيل القديم منها .

6- العمل على أنهاء معاناة الجامعات والهيئات من شحة التخصيصات المالية في الموازنات التشغيلية ( عدا الرواتب ) التي باتت تؤثر بشكل سلبي على مسيرة التعليم العالي والبحث العلمي .

هذا وفي ادناه احتياجات الجامعات والهيئات التابعة للوزارة والتي ينبغي توفيرها عن طريق تخصيص الاموال في موازنة الدولة .

 

 

احتياجات الجامعات والهيئات التابعة للوزارة والتي ينبغي توفيرها عن طريق تخصيص الاموال في موازنة الدولة




7. تحفيز وتشجيع الأنشطة العلمية والجامعية الأخرى

إن التعليم العالي والبحث العلمي لا تقتصر أنشطته على ما ذكرنا في الفقرات السابقة أعلاه، بل لإصلاحه بصورة شاملة ما ذكرنا في الفقرات السابقة أعلاه، لكن ينبغي عدم إغفال تحفيز الأنشطة العلمية والجامعية الأخرى ، في تخصيص الأموال في موازنات الجامعات والهيئات اللازمة لتنفيذها فضلاً عن تكليف مسئولين علميين وإداريين أكفاء ومتميزين للإشراف على التنفيذ ، وإشراك جميع التدريسيين في الجامعات والهيئات لتفعيلها ، ويمكن ذكرها بتركيز كالآتي :-

1- وجود تعليمات مناسبة لاستضافة الأساتذة والخبراء الزائرين من الجامعات الرصينة وصرف الأجور والمكافآت والاستضافة اللائقة .

2- تشجيع التفرغ العلمي داخل العراق  وخارجه ، وشموله بمخصصات التفرغ الجامعي ، وكذلك أجور السفر من والى الدولة التي يجري بها التفرغ الجامعي .

3- إصدار ـ ودعم إصدار ـ المجلات العلمية المتخصصة الرصينة ، والعمل على إدامة إصدارها وبصورة مستمرة .

4- تحقيق آلية الترابط والتنسيق بين المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية العامة والخاصة في إجراء البحوث العلمية من قبل أعضاء هيئة التدريس والفنيين فيها .

5- إقامة المؤتمرات والندوات العلمية المتخصصة في الجامعات والكليات والمراكز العلمية وتوفير التخصيصات المالية اللازمة .

6- تشجيع الأنشطة الرياضية والفنية والمسرحية وغيرها  ، وذلك لانعكاساتها المهمة على الأجواء الطلابية ، والتخفيف من الضغوط العلمية والدراسية والاجتماعية عليهم .

7- توثيق الروابط العلمية والأكاديمية بين الجامعات العالمية الرصينة والجامعات والهيئات العراقية وعقد اللقاءات والندوات المشتركة لتأمين الاستفادة من التقدم العلمي المتحقق لديها .

هذا ما وددت قوله باختصار ونرجو من الله ان يهدي الجميع لتحسين أحوال التعليم العالي في العراق الذي هو محط اهتمام جميع مسؤولي أبناء العراق ، ولا أعلم ما هو السر في عدم تأمين الأموال اللازمة له ليرقى لأعلى مقام ، رغم وفرة الأموال .

 

 

أ. د. ماهر موسى العبيدي

أكاديمي عراقي

 


]]>
https://www.al-obaidy.com/education_turkeyvsiraq/feed/ 1
اعتماد المعايير الكلفوية في القطاعات الخدمية عامل مهم في دقة تخطيط موازنتها والرقابة عليها https://www.al-obaidy.com/standards_study/ https://www.al-obaidy.com/standards_study/#respond Wed, 23 Dec 2009 15:47:19 +0000 https://www.al-obaidy.com/?p=660  

 كانت الموازنات المالية منذ قديم الازمان، وان اخذت هذه الصورة او تلك ولكنها كانت ضرورة لكل سلطة قامت على مر العصور، وكتب التاريخ القديم تحدثنا عن ذلك كثيراً في الحضارات السومرية او الاشورية او البابلية او الفرعونية وليس اكثر دلالة على اهميتها هو قيام النبي يوسف بتنظيم موازنة الغذاء للفرعون وبالوقت نفسه جعله مسؤولاً عن خزائنه لانه ولي وعليم.

 وفي الاسلام حيث هو دين ودولة، نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) يكلف احد الصحابة بوضع تقديرات لما سيوفر لبين المال المسلمين من اموال ، وما يجب ان ينفق منها، وفي خلافة عمر بن الخطاب وضعت تفصيلات السياسة الاقتصادية والادارية للاموال المسلمين فكان ديوان وكان التدوين اهم المنجزات المحاسبية في تلك الحقبة من صدر الاسلام، وفي زمن الدولة العباسية ،وما تميزت به من رقي وتقدم اقتصادي وحضاري، نجد هناك موازنات مالية يعدها صاحب المال غالباً، وقد تطور اعداد تلك الموازنات فاصبح صاحب بيت المال يكلف باعداد موازنات مادية ومالية، كما ولسعة الدولة العباسية وكثرة اقاليمها كانت هناك موازنة مركزية وموازنات محلية تخص تلك الاقاليم، يحول فائضها الى الموازنة المركزية ويسد عجزها في تلك الموازنة “أي المركزية” ايضاً، وكتب التاريخ والفقه الاسلامي تتضمن شروحاً مفصلة في ذلك، اما الفكر المالي الذي كان يوصف به اعداد الموازنات في تلك الفترة او تخطيطها، وهو ان التوازن عين الدقة والتدبير وان فيض الايرادات على النفقات هو دليل الكفاية في تقدير الايرادات وحيازتها والانفاق منها برشد وعقلانية، اما العجز في موازنة بيت  المال “أي زيادة الانفاق بأكثر من الواردات” فهو دليل التبذير وعدم التمكن من التصرف في الاموال برشد وعقلانية.

 ان ما ذكرته في مقدمتي هذه لتوضيح تقدم الفكر الاقتصادي المالي الاسلامي على الفكر الوضعي الغربي الذي لم يعرف تلك المبادئ الهامة لتخطيط موازنة الدولة الا بعد سيادة الفكر الاقتصادي الحر في القرن السابع عشر وما بعده اذ كان يسود مبدأ “دعه يعمل دعه يمر”، ولا علاقة للدولة بالنشاط الاقتصادي وانما عليها الاكتفاء فقط بواجباتها السيادية الاساسية فقد اكتفت بدور الحراسة وما يتطلبه هذا الدور من موازنة تغطي احتياجاتها بوصفها دولة حارس، وهذا ما جعل قواعد تخطيط  الموازنة في الدول الاوربية هي قواعد ادارية وليس كلفوية ترشيدية واعتمد في ذلك التصنيف الاداري ليتوافق مع التخطيط الاداري لموازنة الدولة .

 بعد التطورات التي حصلت في العالم الرأسمالي باعتناقها الاراء الاقتصادية الكنزية واعتمادها موازنة الدولة اداة للتدخل الاقتصادي وزيادة الانفاق الاستثماري وكذلك زيادة الانفاق الاستهلاكي على القطاعات الخدمية لتحقيق التنمية والرفاه الاجتماعي بدأت تخصيصات موازنة الدولة بالازدياد والنمو المستمرين مما تطلب البحث عن مصادر جديدة او اضافية للتمويل ومنها بطبيعة الحال ضريبة الدخل او غيرها من المصادر التقليدية، وهذا ما دفع الكونكرس الامريكي في بداية الخمسينيات الى تكليف لجنة خاصة برئاسة السناتور هوفر لوضع قوانين جديدة او تحديث قوانين قائمة بهدف تطوير وتحديث الاقتصاد الامريكي وادارته وكان من ضمن مقترحات تلك اللجنة “أي لجنة هوفر” ضرورة اعتماد اسس جديدة لتخطيط موازنة الدولة الامريكية وسميت “بموازنة الاداء” فما هي اهم تلك الاسس التي تحققها موازنة الاداء ، فهي الاتية:

اولاً: التخلي عن الاساس الاداري لتخطيط موازنة الدولة لانه يعتمد مبادئ جزافية وليس علمية كلفوية في تحديد التخصيصات المالية لانفاق القطاعات الخدمية.

ثانياً: اعتماد معايير كلفوية دقيقة تعتمدها مؤسسات القطاعات الخدمية لاحتساب مجمل التخصيصات المالية التي تحتاجها لانفاقها.

ثالثاً: عند اعتماد التخصيصات المالية السنوية المحسوبة على وفق معايير كلفوية دقيقة فان الامر يقتضي ادارة الوحدات الاقتصادية الخدمية والاستفادة من تلك التخصيصات بصورة كاملة .

رابعاً:  بعد انتهاء السنة المعنية ينبغي ان يتم التحقيق من كفاية الاداء ولاستفادة من التخصيصات المالية كلها لتحقيق كفاية الاداء الاداري وفي حالة وجود انحراف سالب بين مانفذ وما خطط فيقتضي الامر التحقق عن اسبابه السلبية “بطبيعة الحال” واجراء المحاسبة الدقيقة عنه.

اخيراً: اجراء التطوير والتحديث اللازم على النظم الادارية والمحاسبية ووجعلها تتلاءم او تتوافق مع مستلزمات اسس تخطيط الموازنة الكلفوية الجديدة، ويتوقف الامر على الجانب المحاسبي فقد كان التحول من الاساس النقدي الى اساس الالتزام كفيلاً بتحقيق هذا الغرض وهو امكانية عكس معلومات ادق عن مستوى الاستفادة من التخصيصات المالية واستنفادها لفترة عقد من الزمان حققت هذه الاسس والاساليب تطوراً كبيراً في تخطيط موازنة الدولة في العالم الرأسمالي وكانت هي الاساس وما زالت تشكل القاعدة مع تطور افضل واكثر ملائمة وتوافقاً لتطورات  كثيرة اخرى حدثت في العالم الرأسمالي “والولايات المتحدة خاصة” والتي هي ليست موضوع ندوتنا هذه ” المعايير الكلفوية ومدى الاستفادة منها في تخطيط موازنة الدولة في العراق” .

على الرغم من ان قواعد تخطيط موازنة الدولة في العراق ومنذ تأسيسها وحتى الان تعتمد الاسس التقليدية او الادارية في تخطيط موازنة الدولة، الا ان اعتماد المعايير الكلفوية كان موجوداً بصورة او اخرى في تخطيط موازنة بعض القطاعات الاقتصادية او بعض وحداتها او مؤسساتها ومنها الاتي بشكل خاص:

  1. الجيش العراقي.
  2. الشرطة العراقية.
  3. المستشفيات ، دور العجزة والمصحات وغيرها من المؤسسات المشابه.
  4. الاقسام الداخلية التي تتضمن برامج اطعام او دفع مخصصات شهرية .

5. السجون بشكل عام وفي الجيش على سبيل المثال فان الوحدات العسكرية عند تخطيط موازناتها فأنها تاخذ بنظر الاعتبار متطلباتها الاساسية من ابنية ومعدات واجهزة وغيرها ومن ثم تكون هناك معايير محددة للمستلزمات الخاصة لكل فرد.والتي هي :

  1. تجهيزات التسليح بصورة خاصة لكل فرد ” او جندي” .
  2. مستلزمات الاسكان ” او الخدمات المشابهة الفندقية” لكل فرد او جندي.
  3. تجهيز الملابس العسكرية ” غطاء الرأس ،  القمصان ، البدلات ، الجوارب، الاحذية”.
  4. تجهيزات الاطعام اليومية “الارزاق”.
  5. متطلبات النقل وماتحتاجه الوحدة من وسائل نقل وانتقال.
  6. أي امور اخرى ينبغي تهيأتها لاداء الوحدة وكفايتها.

كيف تساعد المعايير الكلفوية على دقة وكفاية تخطيط موازنة القطاعات الخدمية في العراق؟ لا شك ان الكل يسأل كيف تساعد المعايير الكلفوية على دقة وكفاية تخطيط موازنة القطاعات الخدمية في العراق. ان من المعروف ان الفصل الاول والذي يتضمن نفقات الافراد العاملين من رواتب واجور ومخصصات وغيرها تحتسب على وفق قوانين وانظمة وتعليمات متكاملة لذلك فان احتسابها بالدقة اللازمة امر ممكن فحققت وبشكل عام هو متحقق ومسيطر عليه ، ولكن اذا اخذنا الفصول الاخرى من مستلزمات خدمية وسلعية فسنرى ان تخطيطها لا يزال يتم على وفق الصيغ التقليدية ولكننا اذا انتنقلنا الى موزانة الاداء فان الامر يختلف تماماً لاننا لو افترضنا اننا في معسكر لفوج من الجيش العراقي او الشرطة او الطلاب في قسم داخلي او المرضى في مستشفى او غيرها ويبلغ عددها 500 فرد ممن يقتضي اطعامهم يومياً فضلاً عن تجهيزهم بالادوات والمستلزمات الاخرى فكيف ينبغي ان تحتسب موازنة لتلك الوحدة العسكرية.

اولاً: / الرواتب والاجور – يقتضي الامر ان يتم على وفق القوانين والانظمة والتعليمات اضافة الى 50% من كلفة الدرجات الشاغرة.

ثانياً: / المصروفات الخدمية – وتحتسب على وفق نسب ممكن ان تصيب او تقتضي ان تؤمن لكل فرد، او فني او خبير او غيرها من المجالات التي يمكن ان تصيبها او تشملها احياناً.

ثالثاً: / المستلزمات السلعية – ويتم احتسابها اما حسب المجالات التي تصيبها تلك المستلزمات وعلى وفق مقادير محسوبة او على شكل نسب محددة لكل مجال واذا اخذنا بنظر الاعتبار ان المطلوب اعداده هو موازنة هذه الوحدة نرى ان التخصيصات المالية للطعام سيتم احتسابها بالصورة الاتية:-

1. حيث ان كميات الطعام قد اعدت على وفق جدول غذائي متكامل اعد من مديرية الامور الطبية العسكرية وان مستلزمات الطعام لكل جندي في هذا المعسكر هو – 1000 دينار يومياً فاذن:

كلفة يومية / 1000 * عدد المنتسبين / 500 * ايام السنة / 365 = – 172500 دينار الكلفة ” مائة واثنان وسبعون مليون ديناراً وخمسمائة الف” .

2. اما نفقات الصيانة فيتم تحديدها على وفق دراسة دقيقة لمتطلبات الصيانة اللازمة لجميع الموجودات الرأسمالية في الوحدة.

3. اما الانفاق الرأسمالي فينبغي ان يتم على وفق حاجة الوحدة الاقتصادية الخدمية بصورة متكاملة. 

4. عند تجميع ارقام التخمينات الاجمالية المطلوبة كموازنة هذه الوحدة يقتضي احتساب الكلفة الاجمالية المتوقعة حسب طبيعة نشاط كل وحدة ومثلاً على ذلك كم  هي الكلفة المخططة للانفاق على جندي في معسكر ؟ كم هي الكلفة المخططة للانفاق على شرطي في المركز؟كم هي الكلفة المخططة للانفاق على طالب في مدرسة ابتدائية او اعدادية؟ كم هي الكلفة المخططة للانفاق على طالب في كلية او جامعة؟ كم هي الكلفة المخططة للانفاق على مريض في المستشفى وهكذا الامر بالنسبة لجميع الوحدات الاخرى ومن ثم سيشمل ذلك القطاع باكمله ثم القطاعات الخدمية الاخرى ونكون قد ابتعدنا عن قواعد تخطيط الموازنة التقليدية او الى موازنة مخططة بصورة علمية دقيقة تعبر بصدق عن احتياجات القطاعات الخدمية للتخصيصات المالية دون الحاجة للمبالغة في التقديرات للتخصيصات من قبل وحدات القطاعات الخدمية او شح في تخصيصاتها بسبب ضغوط الدوائر المختصة في وزارة المالية، ولا شك ان كفاية اداء هذه المؤسسات سيختلف تماما في حالة اقرار موازناتها وتخصيصاتها المالية بصورة صحيحة ودقيقة عن موازنة تقليدية توضع تخصيصاتها بصورة يمكن القول “انها موازنة عشوائية او جزافية” .

كيف تحقق المعايير الكلفوية في القطاعات الخدمية الرقابة على تنفيذ الموازنة؟

ان اتباع المعايير الكلفوية في تخطيط موازنة الدولة يضمن تحقق دقة في التخطيط اولاً ويضمن تخصيص مناسب وصحيح لموازنات مؤسسات القطاعات الخدمية، ثانياً واخيراً ستكون عاملاً هاماً في الرقابة عليها وفي الصورة الاتية:

اولاً: حيث ان التخصيصات المالية للمؤسسات الخدمية قد اعتمدت بكل دقة وكفاية فينبغي عليها استنفادها بشكل متكامل وفي حالة حصول انحراف سلبي او بمعنى اخر ان ظهرت نسب المنفذ اقل من المخطط، فيجري التحقق من الاسباب التي ادت الى ذلك فان تبين ان ذلك ناجم عن عدم دقة التخطيط او تدني مستوى المنفذ فان ذلك يدل على ضعف كفاية المسؤولين الاداريين في تلك الوحدات وينبغي محاسبتهم واتخاذ الاجراءات المناسبة بحقهم.

ثانياً: حيث ان الفصل الاول ، او التخصيصات اللازمة لتأمين الموارد البشرية قد وضعت بشكل دقيق، فان على تلك المؤسسات الاستفادة منها وعدم ابقاء أي شاغر منها، يعني ذلك ان تسد جميع المدارس حاجتها في الملاكات  التدريسية والادارية، وان تسد جميع المستشفيات حاجتها من الاطباء والفنيين والاداريين وان تسد جميع الجامعات حاجتها من التدريسيين والفنيين حسب النسب العلمية وهكذا بالنسبة لجميع المؤسسات الخدمية الاخرى، وهذا الامر سيضع حداً بالنسبة لاحتياجات الوحدات الخدمية الاخرى، وفي حالة عدم استفادة تلك المؤسسات من الدرجات الوظيفية والتخصيصات المالية لسد احتياجاتها الماسة التي هي حددتها يعني ذلك عدم كفاية مسؤوليها في استغلال تلك التخصيصات وكذلك استكمال توفير الافراد المتخصصين اللازم لادائها بأفضل صورة وحسبما تقتضيه اهدافها.

اخيراً: ان تخصيصات الفصول الاخرى قد احتسبت على وفق معايير ونسب كلفوية ومئوية محددة، فيجب التحقق وبصورة دورية او فصلية او سنوية في استكمال ذلك واستغلال التخصيصات المالية بكل دقة واذا اخذنا بنظر الاعتبار مثالنا السابق والذي تم بموجبه احتساب كلفة الاطعام ففي حالة وجود الجنود بصورة كاملة فستكون كلفة الاطعام مطابقة للمبلغ المخصص تماماً، اما اذا تمتع الجنود بحصولهم على اجازات او سجل عليهم غيابات فان الامر يقتضي  تنزيلها من مجمل  السحب اليومي للارزاق أي ان يكون الاطعام بقدر الحضور وليس بقدر الملاك المحدد، فيحقق ذلك وفراً واضحاً في الاموال ويسهل الرقابة عليها ، اذ لا يجوز استغلال هذه الفروقات وسحب اكثر مما يجب فعلاً للاطعام فينتج عن ذلك اما هدرا او تبذيراً في المواد المسحوبة او سرقتها او توطؤا مع المجهزين لها للحصول على فروقات مالية، وهكذا بالنسبة لبقية المواد.                

 

 

أ. د. ماهر موسى العبيدي

أكاديمي عراقي

 

                    

]]>
https://www.al-obaidy.com/standards_study/feed/ 0
الكفاءات المصدرة والكفاءات المستوردة (وجهة نظر خاصة) https://www.al-obaidy.com/competencies/ https://www.al-obaidy.com/competencies/#respond Wed, 23 Dec 2009 15:21:24 +0000 https://www.al-obaidy.com/?p=656  

أعود مرة أخرى في مقالتي هذه للحديث عن الكفاءات المصدرة والكفاءات المستوردة، والذي دفعني إلى كتابتها ما شاهدته في فضائيات التلفاز عراقية أو عربية  ندوات وحلقات خاصة يدار الحديث فيها عن الكفاءات العراقية المهاجرة وكارثة هجرتها والخراب الذي اصاب العراق بسببها وكأن العراق هو البلد الوحيد الذي يهاجر من كفائاته ، أما الجزء الثاني من هذه الخاطرة فهو يتعلق بالكفاءات المستوردة الذي لا كلام ولا حديث عنها وسبب ذلك كما أرى واعتقد – مع احترامي للمناظرين من تدريسيين أو خبراء أومثقفين-  أنهم يتداولون هذا  الامر بصورة غير موضوعية، كما أن أغلبهم لم يكونوا قد تعمقوا في دراسة هذه  المشكلة وأسبابها وأبعادها ولم يمارسوا أعمالاً علمية وإدارية متخصصة في الجامعات أو في دوائر التعليم العالي أو غيرها لانها ليست فقط هي المعنية بذلك ليقف بصورة دقيقة على واقع هجرة الكفاءات العراقية، هذا من جانب أما الجانب الآخر فإن أياً منهم لم يتطرق الى أهمية وضرورة استيراد الكفاءات العربية والاجنبية – او استخدام-  المتميزة للتعويض بها عن الكفاءات المهاجرة أو للإفادة منها في توظيف كفاءتها وخبراتها مؤسساتنا الجامعية والانتاجية او غيرهما من مؤسسات الدولة وحتى القطاع الخاص الذي هو في حاجة ماسة اليها.

نعود الى عنوان الخاطرة والحديث عن الكفاءات المهاجرة، أولاً: اني أرى أن من يرغب في العمل في بلاد اخرى أو الهجرة إليها وسواء تم ذلك بشروط الاعارة أم الاجازة من دون راتب أم الاستقالة أم الاحالة إلى التقاعد ومن ثم المغادرة او العمل والهجرة من دون إجازة او استقالة وعدّته مؤسسته العامل فيها تاركاً العمل فهو لم يرتكب جنحة او جناية ولا خيانة بل هو يمارس اقل حقوقه التي ضمنتها له  الشرائع السماوية ومبادئ حقوق الانسان والدستور وقانونا الخدمة المدنية منها و الجامعية او غيرها فهو في كل الاحوال يكون قد اوفى بالتزاماته التعاقدية والمادية وغيرها من الالتزامات وتوكل على الله طلباً لرزق افضل أو لضمان عيشة آمنة أو  لمكان آمن فما هي المشكلة في الامر ما دامت هناك فرصة ومورداً أفضل في بلد آخر لا يستطيع الحصول عليها في بلده وديننا الحنيف يأمرنا بطلب الرزق الافضل ونسعى في مناكبها، وقد التقيت في سنة 1980 بأحد الاساتذة الاميركان وكان أستاذاً زائراً في جامعة ووج في مدينة ووج في بولونيا وقد سأله أحد الاساتذة البولون في القسم الذي اكملت اطروحتي فيه لماذا حصلت يا أستاذ على الجنسيه الاسترالية والكندية والالمانية والبريطانية والسويدية فضلاً عن جنسيتك الاصلية الامريكية؟ أجابه قائلاً: أينما يكون هناك خبز يكون هناك وطن ، فتذكرت كلمة الامام علي ( عليه السلام) :

وطن بلا مال غربة                والمال في الغربة وطن

فإذنً جميع الاديان السماوية والاعراف الاجتماعية والقوانين الاساسية الوضعية تكفل هذا الحق ولا جدال في ذلك.

ما ذكرته سابقاً يمثل وجهاً من وجوه المشكلة، ويقتضي الأمر البحث عن الوجه الآخر للمشكلة فإذا عرفنا أن الهجرة الى بلد آخر هي حق من حقوق الانسان والمواطنة طلباً للرزق والآمن خاصة ونحن كعرب ومسلمين لدينا أفضل مثل عن أسباب الهجرة وهي هجرة نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وما حققت من موطن آمن للمسلمين حققت ثبات الدين الاسلامي وانتشاره، فنعود ونقول: إننا ينبغي أن ننظر الى الامور نظرة موضوعية ومنطقية، فلابد من أن نشخّص مشاكل الهجرة وأسبابها وكيفية حلها، فتوطيد الأمن والحماية لجميع أبناء الشعب ومنهم كفاءاته هو جزء من الحل وتوافر الرزق الحلال والراتب المناسب للعاملين في الدولة هو حل آخر للمشكلة ومن ثم أن تهيأت سبل ووسائل العمل من أجهزة ودورات وكتب ونشريات ووسائل الاتصال بأرخص الاسعار هو جزء من المشكلة، والسماح لكل مواطن وفي مقدمتهم ذوو الكفاءات  في السفر والعودة او الحل والترحال من دون طوابير الانتظار في دوائر السفر او نقاط الحدود والمطارات هو حل آخر للمشكلة كما أن وجود مؤسسات حكومية ومختلطة وخاصة تعمل على توفير العمل والخدمات لكل ابناء الشعب وفي مقدمتهم الكفاءات وليس الانتظار لعشرات السنين – كمواعيد عرقوب-   هو حل آخر للمشكلة، وهناك الكثير الكثير من هذه الأمثلة التي لا أريد أن أطيل في ذكرها ولكن بقي أن أذكر شيئين مهمين وهما متى يشعر هذا الكفؤ بأن البلد سيديره أكفاء ورجال مؤهلون لمواقع او مناصب مناسبة لشهاداتهم وخبراتهم وان تحقق فهذا حل آخر مهم للمشكلة، أما الأخر والأهم منها فمتى ما يشعر الكفوء بأنه سيعيش في بلد شعبه متعلم ومثقف متآخ ومتحاب بين جميع أقوامه وطوائفه وعشائره، وعوائله متحدة في السراء والضراء يحترم صغيرهم كبيرهم وكبيرهم صغيرهم، تسودهم المحبة والسلام فهذا حل مهم للمشكلة، هذا ما أعتقده من أسباب ومعالجات هجرة الكفاءات التي هي ستبقى قائمة أبداً؛ كونها من سنن الحياة المهمة منذ أقدم الأزمان، والانسان حر فيما يختار وعليه الإيفاء بالإلتزامات عند اتخاذه اي قرار، ونحن لا يمكننا الحد من هذه الظاهرة التي إن كانت لها سلبيات فهي في الوقت نفسه لها الكثير من الايجابيات. إن الافادة التامة من الكفاءات وابقائها في البلاد لا تحل في إقامة ندوة او في مقال يقال وإنما لا بد من القيام بالكثير من الاجراءات والقرارات تعالج وفقا لقوانين وأنظمة وتعليمات مثبتة وصحيحة، إذ نحتاج الى علم وثقافة لتؤثر في أجهزة الدولة وفي مسؤوليها من الاعلى إلى الادنى في التعامل مع هذه الكفاءات بأي مستوى كان،  وتوظيف جميع الطاقات المتميزة والكفوءة والمنتجة لخدمة البلاد ، إن الكثير من الكفاءات العالية الاختصاص هاجرت ليس بسبب الحاجة إلى المال بل بسبب موقف خاطئ أو إجراء غير لائق من هذا المسؤول أو ذاك، فبعضهم قرر الهجرة بعدما لحقته إهانة أو إذلال في هذا المعسكر أو ذاك، متجرد من الاحترام او التقدير لعلم أو كرامة انسان، وبعضهم الآخر هاجر لما لاقاه من استخفاف بعلمه وكفاءته من مسؤول حصل على منصبه بالتملق ومسح الاكتاف، وغيرها الكثير من الأسباب المعنوية والعلمية وآخرها الحاجة إلى المال، الذي هو آخرها وليس أولها وهذا ما أعتقده وأراه .

أعود الى مشكلة أخرى وهي مشكلة الكفاءات المستوردة التي لم تحظ بأي انتباه أو دراسة أو اهتمام سوى ما قدمته جامعة بغداد، مقترح تعليمات خاص بدعوة الاساتذة الزائرين والذي أيدته بقوة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولكنها ما زالت تنتظر التشريع إن لم ترفض لهذا السبب أو ذاك . إننا لو عدنا الى مشكلة الكفاءات المهاجرة وتمعنا قليلاً في كيفية حصولها والجهات المستقبلة والجاذبة والمشجعة لها والمستعدة للبذل عليها؛ لانها ثمار ناضجة لا يحصل عليها الا بعد عشرات السنين من التربية والتعليم والخبرة والمران لوجدنا أن الدول المتقدمة والجامعات الرصينة والمؤسسات المتطورة والشركات العملاقة في اميركا وأوربا هي في مقدمة الدول المستقبلة لهم؛ لعلمهم بجدوى وفائدة هذه الكفاءات واقتصادية استخدامها مهما بذلت عليها من أموال ، وهذا الأمر غير خاف على كثير من المسؤولين الاكفاء في العراق ولطالما استورد العراق أساتذة مصريين ولبنانيين وسوريين وأجانب آخرين وأطباء وفنيين وان كان الاساتذة في الكليات أكثرهم كان في حقبة الاربعينات والخمسينيات ومن ثم أعداد كبيرة من الاساتذة العرب والمصريين منهم خصوصاً والاجانب في الجامعات في مرحلة الستينيات ومن ثم الطلب الكبير لالاف الاساتذة والمهندسين والخبراء وكلهم أصحاب كفاءات مستوردة غير عراقية فرضت الحاجة واعمال التنمية الاقتصادية وغيرها من المتغيرات التي حصلت بسبب توافر الاموال في السبعينيات  فتح الباب على مصراعيه لاستيراد الكفاءات والاغداق عليهم بالرواتب المتميزة وغيرها من الامتيازات فهل هذه الخطوة صحيحة في أننا نبقى نستورد الكفاءات او نشجع هجرة الكفاءات من مختلف الاقطار إلينا ونقر بأن ذلك حلالاً لكن هجرة كفاءاتنا حرام، أرى أن واقع الحال يفرض علينا أن نقر بأن الانسان حر ومن حقه أن يعمل في أي بلد كان شرط أن يكون قد أوفى بالالتزامات التي تفرضها عليه تعاقداته وواجباته تجاه الوطن الذي أغدق على تربيته وتعليمه بالاموال .

إن مشكلة الكفاءات المهاجرة يمكن أن تخفف منها الكفاءات المستوردة، واننا في كل الاحوال خاصة مؤسساتنا الجامعية وهيئات التعليم والبحوث العليا والمؤسسات  والشركات الصناعية إن استقرت أوضاعها فهي ستكون بأمس الحاجة الى استيراد أو استقدام أو التعاقد أو تشغيل أو استضافة الاساتذة والخبراء غير العراقيين من العرب والاجانب ؛ لتحقيق هدفين مهمين اساسين في الوقت نفسه اولهما لحل مشكلة هجرة الكفاءات و التعويض عنها،  والثاني منهما هو ضرورة الافادة من ذوي الكفاءات المتميزة والعميقة في التخصص للتدريسيين في الجامعات والهيئات ومن ثم الافادة منها في مختلف التخصصات والخبرات لرفع مستوى الاداء ولزيادة اطلاع وخبرة خبراء وكفاءات العراق.  

 

أ. د. ماهر موسى العبيدي

أكاديمي عراقي

 

        

]]>
https://www.al-obaidy.com/competencies/feed/ 0
الكفاءات المهاجرة وعودتها.. بين الحقيقة والخيال https://www.al-obaidy.com/competencies_migration/ https://www.al-obaidy.com/competencies_migration/#respond Sun, 30 Aug 2009 14:08:45 +0000 https://www.al-obaidy.com/?p=247  

لطالما سمعنا، عزيزي القارىء، بالكفاءات المهاجرة وأحيانا العقول العلمية المهاجرة أو غيرها من التعابير والتسميات التي تطلق على أصحاب الكفاءات وحملة الشهادات العليا، من العراقيين في الخارج، ومن المؤكد أنك لمست في تلك المقالات والندوات فداحة الخسارة وعمق المأساة التي تسببها تلك الكارثة المحيقة ببلدنا (وطبعًا بلدان أخرى) للأسف الشديد، فهذه الكارثة الناتجة من جراء هجرة هذه الكفاءات والعقول التي أنفقنا على تعليمها المبالغ الطائلة؛ سواء دنانير زرقاء أو دولارات خضراء أو باونات حمراء، ذهبت أدراج الرياح، ولم تخدم بلدها الذي انفق على تربيتها وتعليمها آلاف أو عشرات الآلاف أو الملايين، وعلى وفق دراسة ماجستير أعدت بإشرافي في كلية الإدارة والاقتصاد – جامعة بغداد ،, و ما يكاد ينتهي بذرف الدموع على هذه الخسارة الفادحة للكفاءات المهاجرة حتى تبدأ المقترحات والآراء تطرح تباعا لمعالجة هذه الكارثة، بتقديم الهدايا والمكافآت والمميزات بسخاء يفوق بكثير ما أنفق عليها بسخاء, وبطبيعة الحال اغلبها حبر على ورق فلا عودة ولا رجعة, إلا فقط ما حققه قانون عودة ذوي الكفاءات الذي أصدره النظام السابق في أواسط السبعينيات بما وضعه من هدايا وأعطيات مادية فقط، ولم يأت على ذكر أية مزايا أو اعتبارات معنوية أو علمية, ولأني لا أريد الخوض في تفاصيل هذا القانون وتقويم أحكامه، لأنه معلق الاحكام (كما اعتقد) لكن ما احتواه هذا القانون هو الإعفاء الكمركي للسيارة التي يجلبها العائد، وطبعًا لهذا مردود مادي لان الكمارك المفروضة على السيارات كانت  تصل إلى نسبة 200%  تقريبًا من ثمنها، فيغلو ثمنها في السوق، ومع تنامي قدرة الشراء للمواطنين، وبفعل قانون العرض والطلب؛ كان ما معروض من السيارات قليل، والطلب مرتفع عليها، وبهذا يكون ثمن السيارة مرتفعًا في السوق، فيحقق الكفء أو العقل العائد ربحًا في هذا الجانب إن رغب ببيعها أو أبقاها، لتكون لديه سيارة أفضل مما كان شائعًا في سوق السيارات في العراق آنذاك، الذي لم يعرف غير المسكوفج , واللادا , والفولكا , والفيات بولسكي أو الايطالي، ولتوها بدأت سيارة الكراون الياباني بالوصول, أما الأثاث والتجهيزات المنزلية فكانت غالية الثمن للأسباب نفسها، فإعفاؤها من الكمارك كان له مردود مالي مناسب. تبقى الهدية أو الأعطية الأهم، هي قطعة الأرض الذي يستطيع العائد أن يتملكها بثمن زهيد، وعليه تدبير أمر بنائها، فيبدأ بالدخول في مرحلة السلف (التسليف)؛ من العقاري، أو غيره من منافذ التسليف. فيكون البناء بشق الأنفس والجيوب إلا إذا كان ذو مال كثير، من هذا المصدر أو ذاك.

 هذا كل أو اغلب ما جاء به ذلك القانون، الذي شمل المتواجدين (الذين لم يهاجروا) من الكفاءات، لكن ليس بالصورة نفسها التي شملت المهاجرين، هل لكونهم أصحاب كفاءة أكبر أم لانهم عادوا وفاء وتلبية لواجب خدمة بلدهم الذي انفق عليهم ورباهم دون انتظار هدايا ومكافآت على عكس الآخرين الذين فضلوا البقاء في الخارج وقرروا العودة للافادة من هذه المغريات؟

 وما عدا المسائل المالية والمادية لم يتضمن ذلك القانون (حسن أو سيء الصيت) أية أمور أخرى تُذكر، وهو ما زال حتى الوقت الحاضر محط تقويم ونقاش. وبين مؤيد له ومعارض مازال معلقـًا؛ لا نافذًا ولا ملغى، فإلى متى لا احد يعلم؟.

أعود بك عزيزي القارئ، بعد هذه المقدمة عن الكفاءات وهجرتها وقانون عودتها، لأقول، وأنا مسئول عن كلامي، إن هذا الأمر، أو هذه المشكلة لم تدرس  في بلدنا دراسة علمية موضوعية دقيقة، وكل معالجاتها في نظري بسيطة عاطفية أو سطحية، فمسألة الكفاءات أو العقول المهاجرة، ليست بحجم مشكلة الكفاءات والعقول المتواجدة (المستترة) في بلدنا قانعة بما كتب لها، وفية لبلدها، راضية برواتبها ومخصصاتها، قاست وعانت الأمرين، ولم يلتفت أحد إليها، وان حصل ذلك (وهذا لم يحصل حسب علمي) إلا عرضًا ولمامًا، وليس كما هو الحال بالنسبة للتي هي خارج بلدها (بتوع برة) كما يقول إخواننا المصريون، التي تركته بعد أن أغدق عليها ووفر لها سبل العيش المناسب ما وفره من أموال، وحصلت على المكافآت أو الامتيازات المناسبة بفضل إقامتها هناك، هذه الإقامة التي ما كان لها أن تحصل عليها لولا ما انفق عليها بلدها العراق من الاموال بسخاء.

أعود لأقول: ما هي مشكلة الكفاءات أو العقول المهاجرة؟ وما هي سبل عودتها أو الإفادة منها؟ كما ولا يفوتني، كذلك، التطرق إلى مشكلة الكفاءات والعقول المتواجدة (الثابتة) في العراق، التي لا تفكر بهجرة أو (هروب) من بلدانها، وترى في أداء الواجب، والتعايش مع مواطنيها، وخدمة بلدها، وسعادتها بلقاء طلبتها أفضل وأسعد بكثير من الكثير مما يعرض عليها، أو ما يمكن أن تحققه في الخارج، إنها عقول بقيت ثابتة مستقرة لا ترغب أن تكون مهاجرة أو مغتربة أبدا، إنهم ( بتوع جوة) وليسو (بتوع برة).

واذا عدنا الى بدايات وجود هذه الكفاءات في الخارج ومشكلة عودتها، فيمكننا القول انه ومنذ النصف الاول من القرن الماضي، وبسبب قلة الكليات او المعاهد المتخصصة، وقلة الامكانيات في العراق لتأسيسها، ولعدم توفر متخصصين من حملة الشهادات العليا يمكن ان يكونوا تدريسيين فيها, مع حاجة الوزارات الاخرى الى متخصصين مؤهلين للقيام باعمال، وادارات متخصصة فيها، لجأت الدولة العراقية الى نظام (البعثات) خارج العراق، وغالبًا كانت الوجهة نحو الدول الاوربية وامريكا للحصول على الشهادات المتخصصة. تولت هذه المهمة دائرة البعثات في وزارة التربية، التي الحقت سنة 1970 بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي عند تأسيسها. كان المتقدمون الى البعثات غالبًا من خريجي الاعدادية التي كانت الدراسة فيها خمس سنوات، وليس ست, لكنهم جميعًا من المتفوقين؛ فلا محسوبية ولا منسوبية، بل معدلات تخرّج عالية جدًا، وهذا يعني أن اغلبهم من الاوائل على دفعاتهم, فكان ذكاؤهم واجتهادهم عاملاً قويًا في تفوقهم  الدراسي في الجامعات الاجنبية وبعض الجامعات في البلدان العربية، ومنها جامعة القاهرة والاسكندرية والجامعة الامريكية في بيروت.

ساهمت عوامل عدة اما في فشل قسم من هؤلاء الطلبة او في عدم عودة من اكمل الدراسة منهم، وهي: اولاً صغر سنهم، ثم صعوبة ترددهم على البلد لعدم تضمن نظام البعثات الساري في تلك السنوات لنص يوفر لهم حق زيارات سنوية لبلدهم، وفقدان الكثير منهم لحنان الوالدين، وغربتهم عن الاهل والاصدقاء دفعهم ذلك، الى الاقتران بفتيات اجنبيات, كما كان لعدم كفاءة دائرة البعثات والملحقيات الثقافية، واقتصار دورها او مهماتها على الواجبات الاعتيادية الرتيبة في حين كان ينبغي ان يكون لها دور الراعي والمربي لهم في بلاد الغربة, ادى ذلك إلى عزوف اعداد كبيرة منهم عن العودة الى العراق , اما من عاد منهم ومكث في وظيفة واستطاع ان يقاوم المغريات المادية والمعنوية في الخارج، فقد بقي وأثبت كونه كفوءا ومؤهلا للتدريس او العمل في حقل الاختصاص، وابدع في عمله وبزغ نجمه؛ استاذًا جامعيًا متخصصًا او فنيًا حاذقًا متميزًا او طبيبًا متميزًا او اداريًا، أومسؤولاً كفوءًا جدًا او غيرها, ولم تكن الرواتب او الاجور او غيرها من الماديات حافزًا في هذا التألق والبزوغ والتميز, بل كان الشعور بالوطنية والاخلاص في الواجب وتحمل المسؤولية من اجل تحقيق المبادىء والقيم التي يؤمن بها من دون النظر حصرًا لهذا الولاء بزاوية دينية او قومية او مذهبية او حزبية او ميل سياسي معين, بل كان الشعور بالواجب تجاه هذا البلد المعطاء الذي اغدق عليه المال ليكون انسانا متكامل العلم والوفاء له، والكفاءة في اداء الواجب حسب الاختصاص هو المحرك الحقيقي لهذه الطاقات الكبيرة.

إن هؤلاء العباقرة والاوفياء لأرى من الضروري، استذكارهم وطنيا، وليس لي في هذا المقام إلا أن أذكر بعض من اتذكره منهم؛ امتنانا وعرفا بجميل ما قدموه (مع اعتذاري لمن لم يحضرني اسمه وهم كثيرون) فهم دائمًا من ذلك الرعيل او تلك الافواج العظيمة التي خدمت هذا البلد اجل وافضل خدمة، وما زالت مؤلفاتهم وكتبهم ونظرياتهم ساطعة كالنجوم المشعة والمضيئة في ظلام حاضرنا الدامس, انهم: مصفى جواد, وجواد علي, وعلي جواد طاهر , ومتي عقراوي , ومحمد مهدي البصير, وعبد الجبار عبد الله, وطه باقر، وعبد العزيز الدوري, وجاسم محمد الخلف , وكمال ابراهيم, وسعدي ابراهيم, محمود غناوي الزهيري, ويوسف عبود , وعباس طه النجم , ووديعة طه النجم, وعبد الكريم الخضيري, وحسين العاني , وعلي الوردي، وصادق الخياط, ومهدي المخزومي , وابراهيم السامرائي, ومحمد علي الياسين, وعز الدين الياسين , وابراهيم كبة, وفوزي القيسي , وطلعت الشيباني, ونزهت الطيب, واسماعيل مرزة, وصلاح عزت تحسين, وفاضل الطائي , ومحمد واصل الظاهر, وفاضل الجمالي, وضياء جعفر, وعبد الملك الشمري, وجان ارنست, وحسن زلزلة, وعبد المنعم السيد علي, وعلاء الراوي , ومنصور الراوي, ومحمد حسن سلمان ومجموعة كثيرة من الاطباء من حملة شهادات الاختصاص العالي , وكثير كثير اخرون اعتذر عن عدم ذكر اسمائهم ، لكنهم وإن لم يذكروا فهم ليسوا اقل شئنًا او علمًا ممن ذكرتهم.

واعداد كثيرة جدًا منهم, كانوا هم بناة نهضة العراق الاولى في تأريخه الحديث سواء في الجوانب العلمية الصرفة او الصحية او الاقتصادية او الاجتماعية او التربوية او السياسية او القانونية او الادراية، وغيرها من نواحي الحياة المختلفة.

ان من ذكرتهم سلفًا او لم اذكرهم ضحوا وعانوا الكثير سواء في حياتهم او عملهم ولكنهم كانوا بناة الاسس القويمة والصحيحة في كل نواحي الحياة الاخرى وحسب تخصصهم، لكني اعود الى ذكر القسم الاخر منهم، الذين كانوا في المستوى نفسه و بالكفاءة نفسها، وهم المتميزون ممن اكملوا دراسة العلوم واستيعابها وتدريسها في بلدان الغرب المتقدمة، وحين لمست تلك الجامعات او المؤسسات كفاءتهم ونبوغهم وتميزهم قدمت لهم ما يغريهم للبقاء لديها وخدمة مؤسساتها، ولم تكن تلك المغريات او الماديات وما يرافقها من معنويات وتسهيلات علمية واكاديمية باهضة عليها، بل رخيصة ومناسبة لها، لكون تلك الدول لم تبذل أي مبلغ من المال على هذه الكفاءات، بل بذخت عليهم بلدانهم التي كانت اغلبها فقيرة نامية استقطعت كلف تعليمهم وتدريبهم من لقمة عيشها وصحة ابنائها للحصول على موارد بشرية مؤهلة تأهيلاً عاليًا لقيادة انشطة نموها العلمي والاقتصادي والاجتماعي، وعندما اينعت اقتطفتها جامعات ومؤسسات تلك البلدان وسخرتها لخدمتها وليس لخدمة اوطانها.

اما الفئة الثانية من هذه المجموعة فهم من عادوا وعملوا في العراق اسوة بالمجموعة الاولى من الرواد العظام الذين ذكرتهم ولكنهم بعد عودتهم وانخراطهم في الجامعات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية عانوا الامرين من عوامل سلبية ثلاثة، وهي: اولاً لم يجدوا الاجواء العلمية والاكاديمية والعملية والفنية المناسبة للتي درسوا وتدربوا وتعلموا فيها، بل كانت الأجواء اما معدومة او لا ترض طموحهم وتطلعاتهم العلمية والاكاديمية، فسأموا الوضع المتخلف والمتردي وفقدوا الامل في تحسن الاوضاع وانهاء التخلف والتردي، فكان هذا العامل الاول الذي دفع إلى هجرة هذه الكفاءات، اما العامل الثاني فكان متمثلا بقيادات المؤسسات التي عملوا فيها وفي اداراتها المتخلفة وغير الكفوءة، واغلبها لم تكن ادارات مناسبة لأماكنها مما ادى الى تصادم هذه الكفاءات بتلك الادارات وعدم انسجام الاولى في العمل بأمرة الأخيرة، فسأمت هذه الكفاءات الحال هذا وقررت العودة الى بلاد الغرب، حيث الاجواء المختلفة والامكانيات والمغريات الكبيرة،والكثيرة وكان ذلك عاملاً ثانيًا في هجرتها لبلدها واغلبها خططت عند الذهاب ان لا تفكر مستقبلاً، ابدًا، بالاياب.

اما العامل الثالث، الذي هو الاقل اهمية بالنسبة لهذه الفئات العبقرية، فهو الجانب المادي والمالي, فلم تكن الرواتب والاجور او المخصصات، وكذلك ما كان يجب ان يوفر لها من امتيازات، مناسبة لما جلبته من علوم ونظريات، وما كان ينبغي ان تتحمله من واجبات ومسؤوليات، بل ساوتها قوانين الخدمة والملاك مع أي موظف او مسؤول قد يكون لا يحمل الا ابسط الشهادات ويحمل اقل المؤهلات.

هذه عوامل اساسية كانت السبب الرئيس الكامن خلف هجرة اعداد كبيرة من النوابغ والعلماء والكفاءات، لكن هل هي خسارة كبيرة لحقت بالبلد ام هي حق من حقوق الانسان خاصة وان الحكومة كانت حاضرة للمطالبة بتسديد كامل او جزء من النفقات حسب احكام التعاقدات؟ وهو ما سأتحدث عنه في آخر هذا الكلام .

اعود مرة اخرى الى مجموعة من اصحاب المؤهلات والكفاءات التي ارسلتها دائرة البعثات اوغيرها: الاجازات الدراسية والزمالات, وهي الافواج التي غادرت البلاد بعد عودة وزارة التعليم العالي إلى اطلاق البعثات منذ سنة 1972، بعد ان اوقفتها وزارة التربية بعد نكسة الخامس من حزيران 1967، وياله من قرار! بل هو اشبه بالفرار, المهم كانت هذه البعثات منتقات، واجراءات اختيار طلابها قائمة على ضوابط واسس, إلا أن موجة التسيس والكسب الحزبي وضم اكبر عدد ممكن من يمكن تسخيرهم لما تخطط له قيادة الحزب الحاكم في تلك الازمان جعلت المبعوثين على مجموعتين: الاولى منهم بقيت ملتزمة بنهجها العلمي وهدفها في الانخراط بالبعثة او الزمالة، فحرصت على ان تستفيد من الفرصة، وتحصل على افضل الشهادات لتقول بعدها للبلد مع السلامة (باي باي) إذ كانت تعرف (هذه الفئة من الكفاءات) طبيعة الاوضاع، وما ينتظرها من واجب تقديم فروض الطاعة والولاء، فضلاً عن التجنيد الاجباري او قواطع الجيش الشعبي، ومن ثم رفضوا ان يكونوا وقودًا للحروب والغزوات .

اما الفئة الثانية فبعضهم كان حقًا من الكفاءات التي دفعها اخلاصها وانتماؤها للوطن، وغيرها من الالتزامات إلى ان تقبل بما كتب عليها من مصير لا يعرفه الا رب العباد، في حين أن هناك من نستطيع أن نصفهم بأنصاف الكفاءات لانهم حصلوا على البعثة او الزمالة من دون استحقاق؛ اما بفضل الولاءات او الوساطات أو لانتمائها لذلك الحزب القائد او لتلك الفئات، وبالاسلوب نفسه الذي حصلت بفضله على البعثة او الزمالة حصلت على الشهادة وعادت، بنصف كفاءة ومؤهلات، فكانت طالبة ولاية وسلطات (لا بل تسلطات) عينُها على المناصب والامتيازات ولم يحصل العراق على مخرجات مناسبة لما انفقه من اموال؛ من الدراسة الابتدائية حتى تخرج طلابه من الجامعة الاجنبية، أي من المدخلات التي كان يتوقع الحصول منها على افضل المخرجات . 

اما النوع الاخير من البعثات او الزمالات والاجازات والايفادات من العقد التسعيني حتى انهيار النظام، فهي غالبًا لا نملك صورة واضحة عن كيفية الحصول عليها، وكيفية منحها والاسس التي تقوم عليها، وبسبب الحصار المفروض على البلد، في حينها، من جميع الوجوه والابعاد، لم تَمنح اغلب دول العالم قبولا او زمالات لطلبة العراق, لكن بعضها اما من باب العطف او الاحسان، او بسبب عقد الصفقات مهدت، او منحت القبول لطلبة العراق، ولم تُمنح على اساس التنافس والاستحقاق .

 كيف السبيل لعودة الكفاءات، وهل عودتها حقيقة ام خيال؟

بعد هذا العرض الذي قصدت ان يكون مسهبًا، لبيان الصورة الواضحة عن حقيقة البعثات ومخرجاتها (او حصيلتها) من الكفاءات ولأستكمل ورقتي هذه بما ارغب ان أصل إليه، فاني ارى اننا يجب ان نتعامل مع هذه القضية من وجهات نظر ثلاث، هي:   

اولاً / الكفاءات التي تكلمنا عنها، التي هي من النوع الاول الذي عاد ثم هاجر، او لم يعد، بل استوطن في البلد الذي تخرج فيه او في غيره من بلدان الارض التي فتحت اليه ذراعيها وتلقفته؛ كفاءة عالية المستوى جاهزة في البذل والعطاء، أي ثمرة يانعة اقتطفتها من دون جهد او عناء او انتظار او بذل اموال فاستقر به المقام وحصل على افضل الانعام واصبح في غربته او في بلده الثاني ذا شأن ومقام ان هذه الكفاءات افضل لنا ولها ان لا تعود لانها ستخسر كل ما حققته هناك ولا تحصل على شيء هنا حيث اوضاعنا عمومًا عودة الى الوراء وليس الى الامام وإن خطونا خطوة الى الامام عدنا عشرة الى الوراء وهذه الكفاءات سوف لن تجد معامل او مختبرات بل جامعات تنتظر النفقات مما تبقى من تخصيصات تتصدق عليها وزارة المالية بالقطرات وتعد ذلك هدرًا و هباء ان هذه الكفاءات افضل لنا ولها أن تبقى هناك رافعة عاليًا اسم العراق يمكن الافادة منها بالتواصل واللقاء وتسهيل الحصول على المصادر والزمالات وما يمكن من تعاون في سبيل الارتقاء بكفاءتنا لافضل مستوى بعلم وعطاء هذه الكفاءات ينبغي استمرار التواصل معها بكل حب واحترام وتذكيرها بما يمليه عليها الواجب من وفاء بمساعدة جامعتنا ببحث او كتاب او جهاز هو مايرجى منها من عطاء ،ويسرني ان اذكر في هذا الكلام ان المشرفة على رسالة الدكتوراه التي كنت اعدها في جامعة ووج في بولونيا في احدى اللقاءات اعلمتني بأنها خلال زيارتها لارقى الجامعات في اميركا واوربا التقت بكثير من الاساتذة من العراق والاحظهم انهم بعيدون عن وطنهم العراق ،ومثل هؤلاء ينبغي على حكومة العراق أن تقيم معهم افضل الصلات للافادة من مواقعهم وكفاءاتهم لتحسين الاحوال في جامعاتكم او في مختلف المجالات فكانت صادقة في نصيحتها وياليت ذلك كان ولكن لم تبرمج حكومتنا ووزارتنا لمثل تلك الصلات بل نظمت لقاءات للمغتربين العراقيين قبل وبعد ايام الحصار ولم يستفد منها العراق بشئ سوى اغداقه عليهم من اموال ببطاقات السفر وولائم الطعام بالرز المغطى بالكشمش واللوز والزعفران الاصفر والخرفان فان اعطيت الفئة الاولى حقها اعود الى الفئة الثانية من هذه الكفاءات سواء العائدة من خارج العراق ام التي حصلت عليها من العراق وهي مازالت ثابتة مستقرة في العراق مضحية بكل شئ في سبيل الاداء الافضل لخدمة ابناء العراق والوفاء على الرغم من قسوة الظروف والاحوال ،ان هذه المجموعة الكبيرة جداً هي الجديرة بالرعاية والاهتمام ولها يجب ان توفر افضل الظروف والامكانات وعلى الدولة رعايتها رعاية تامة من حيث توفير الظروف المناسبة لعطائها العلمي كذلك السكن والمعاش, ومتى ما وفرت ذلك فلا يبقى عذر لهذا او ذاك بتردي الظروف في العراق او الادعاء بعدم توفر سبل العيش الكريم والعطاء ومتى ما حصل ذلك فسوف لا تكون هناك هجرة ولا عودة كفاءات بل كل شيء ميسر وعلى افضل ما يرام او من كان في خارج العراق ويرى ظروف زملائه الميسرة في العراق فيكون ذلك عاملاً حاسمًا لسرعة عودته الى العراق من دون قوانين او نداءات لا قيمة لها ولا مسوغات بل كلام في كلام, هذه هي الفئة الثانية ثروة وطنية كبيرة ينبغي على الدولة الحفاظ عليها لابالوعود والامال بل بتحقيقها من الان وإن ذلك ليس بصعب المنال فالعراق هو الذي اغدق على العلم والعلماء منذ اقدم الحضارات وهو الذي سخر لها كل الامكانات فكان بلاد العلم والعلماء بفضل الرعاية والاهتمام وكان محط أنظار العلماء من عرب ومسلمين وغرباء من مختلف الاوطان, ويعّد العلماء الافذاذ أمثال الخوارزمي واولاد موسى وابن سينا والرازي وغيرهم من الرواد أفضل برهان. ومن رغب في الاستزاده في المعلومات فليقرأ كتاب المرحومة زيغرد هونكه, (شمس العرب تسطع على الغرب) ففيه ما يفي لكل راغب في معلومات عن ماضي العراق والعرب والمسلمين من علماء وليس ذلك بغريب على المسلمين, وقرآنهم الكريم ذكر العلم والعلماء أجلّهم ووضعهم في أفضل منزلة ومقام.

اما الفئة الثالثة ممن قد يعدّون من كفاءات او حملة شهادات وسواء كانوا حقًا كذلك ام لا فهي لا تعرف غير المصالح والانتفاع والركض وراء المكاسب والمال, ولا هم لها سوى تحين فرص المكاسب والانتفاع, فهي ليست طالبة علم بل طالبة مال لا تشبع منه حتى لو وصلت الى اطنان, فلا علم رصين يستفاد منها ولا مال وهذه المجموعة أي المجموعة الثالثة التي أقصدها هي من الافضل تركها من ٍٍٍدون اهتمام لا حسرة عليها ولا آه, بل قد يكون الافضل لنا ان نسهل لها الحرية في الذهاب والاياب. فان اندمجت في جو العمل العلمي والعطاء فأهلا وسهلاً بها وبكل ترحاب وستكون اولاً وآخرًا من ضمن المجموعة الثانية التي ذكرتها في هذا المقال , وان رغبت في ان تعمل في دول الجوار او في السفر والتجوال كالسندباد في التجارة والاقامات حتى لو كان ذلك في بلاد الواق واق فأقول لها مع ألف سلام. وفي الختام هل يتطلب ان اسألك عزيزي القارىء هل عودة الكفاءات المهاجرة حقيقة ام خيال؟.

 

أ.د. ماهر موسى العبيدي

أكاديمي عراقي

 

 

]]>
https://www.al-obaidy.com/competencies_migration/feed/ 0
استقلالية الجامعات العراقية بين الواقع والطموح https://www.al-obaidy.com/uni_independenc/ https://www.al-obaidy.com/uni_independenc/#respond Sat, 29 Aug 2009 21:22:26 +0000 https://www.al-obaidy.com/?p=222  

يثار في أوساطنا الجامعية المختلفة ومنها تدريسي الجامعات والهيئات التابعة أو المنضوية في إطار وزارة التعليم العالي ومسؤوليتها كذلك مسؤولو تلك الوزارة وقياديها، بين الحين والآخر مسألة استقلالية الجامعات العراقية وحريتها الأكاديمية، ولا شك في أن هذه المسألة التي هي في جوهرها جامعية صرفة لها أهيمتها الكبيرة لأداء تلك الجامعات وتحقيق أهدافها ضمن أهداف قطاع التعليم العالي والبحث العلمي الذي ينبغي أن تكون أهدافه المنظّمة والمنسّقة ضمن أهداف الدولة الهادفة إلى تحقيق النمو الاقتصادي والرخاء الاجتماعي لأبناء الوطن وبأي أسلوب ستكون السياسة الخاصة التي ستحقق تلك الأهداف وقبل أن أتكلم عن استقلالية الجامعات العراقية أرى من الأهمية ذكر المعلومات الآتية :-

سادت مفاهيم استقلالية الجامعات وحريتها في العالم الرأسمالي الغربي خصوصاً، قبل قرون عدة أي منذ إنشاء الجامعات في تلك الدول وسواء أكانت تلك الجامعات قديمة ورصينة أم لا فإنها كانت جامعات خاصة وليست حكومية، تمّول من المنظمات الدينية الكنسية، أو الجمعيات الخيرية أو غيرها ومنها أجورها وكان هذا عاملاً في استقلاليتها العلمية والإدارية والمالية، ولكن من يستطيع أن يؤكد بصورة جازمة وقاطعة ان هذه الجامعات كانت أو ما زالت مستقلة في فكرها الأكاديمي؟ وانها لم تكن  وسيلة واداة لتحقيق أهداف تلك المنظمات وتلك الجمعيات ذات الأهداف والاستراتيجيات التي اغلبها تخدم الفكر الرأسمالي الاستعماري الغربي وإطاعة توجهاته.

كانت الاستقلالية والحرية الجامعية في أغلبها زيفاً وكذباً إذ الجامعة في حقيقتها وبأنشطتها الأكاديمية العلمية مسيّرة لخدمة أهداف ذلك الفكر وأطماع طبقته البرجوازية في البلدان الغربية ، ولا ارغب في الاسترسال ، ولكني اذكر في هذه المناسبة لمن يرغب في الاطلاع على المزيد من كذب تلك الجامعات وعدم حقيقة حريتها واستقلاليتها أن يرجع إلى كتاب ( الحرية الجامعية) ، لمؤلفه أستاذ الشريعة والفقه ورئيس ديوان الرقابة المالية سابقاً ابن مدينة السليمانية المرحوم الدكتور عبد الله النقشبندي.

إن التطور الذي حصل في الفكر الليبرالي الغربي واعتناق الدول الرأسمالية للمبادئ الاقتصادية الكنزية، دفع حكومات تلك البلدان إلى تأسيس الجامعات وتمويلها من موازنة الدول السنوية سواء بجزء مما تحتاج إليه من أموال وتغطي هي الجزء الآخر من أنشطتها وأجورها، أو أن تموّلها الدولة بالكامل من موازنتها  السنوية ايضاً، ولكن المهم ان الأمر لم يختلف كثيراً بالنسبة إلى هذه الجامعات عما هو عليه الأمر في الجامعات الخاصة التي قد تكون في إدارة أعمالها العلمية والمالية ذات استقلالية كافية، إلا أنها في اهدافها غير حرة أو مستقلة،  بل تدور في العجلة نفسها التي تدور فيها الحكومات الرأسمالية وطبقاتها البرجوازية والتي تكون – أغلبها –  خادمة لتحقيق أهداف تلك الحكومات سواء أكانت شريرة أم انسانية ، وأود أن أذكر في هذه المناسبة ما ذكره وزير التعليم العالي البريطاني في ندوة تخص الاستقلالية الجامعية نظمها المركز الثقافي البريطاني في مدينة مانجستر، والتي حضرتها شخصياً في العام الماضي، وكانت بعنوان: ” استقلالية الجامعات وتطوير ادارتها ” قال :- (( إن من المتفق عليه حالياً بأن ممول الجامعات والمؤسسات الاكاديمية له الحق أن يطلب تنفيذ ما يهدف الى تحقيقه من هذا التمويل وعلى الجامعة او المؤسسة المستغلة لهذا التمويل أن تلتزم بذلك، اما اختيار المسؤولين فيها ( وهو في هذا يتحدث عن تطوير ادارة الجامعات ) فينبغي ان يكون لرؤساء الاقسام العلمية وعمداء الكليات ورؤساء الجامعات الذين سيكلفون بإدارة هذه المواقع، فضلاً عما يتمتعون به من مؤهلات علمية، والخبرة التامة في الامور القانونية والادارية والمالية، وقد سأله احد الحضور مازحاً: هل يتطلب ان يكون عمره تسعين عاماً ؟ أجاب حينها ضاحكاً: كلا، بل من خمسين الى ستين عاماً، المهم ان يكون بتلك المؤهلات والخبرات المطلوبة )) .

سخّرت الدول الاشتراكية سابقاً وتحديداً الاوربية منها، وعلى وفق قوانين وأنظمة خاصة، الجامعات والمؤسسات العلمية لتحقيق أهدافها ومخططاتها التنموية الاقتصادية والاجتماعية، فلم تكن مستقلة او حرة أكاديمياً، بل عليها ايضاً ان تدور في عجلة الدولة وأهدافها الاستراتيجية، وأن تضع أو تخطط أهدافها على وفق أهداف الدولة الاستراتيجية، ولكن حكومات تلك الدول وهي المموّل الاساس للجامعات التي أسستها بواسطة موازنتها السنوية منحت تلك الجامعات الصلاحيات العلمية والمالية والادارية التامة لتنفيذ أنشطتها بالاستقلالية والحرية اللازمة لتحقيق تلك الاهداف.

لم تغير المتغيرات التي حصلت في تلك الدول خلال العشرين عاماً الماضية الكثير مما ذكرته بالنسبة للجامعات الحكومية التي أعدادها بالمئات ، وكما أكد لي وكيل وزير التعليم العالي البولوني في لقاء جرى معه في وارشو قبل خمسة اشهر، أنه ما زالت الجامعات الحكومية تموّل بصورة رئيسة عن طريق موازنة الدولة وتُخطط أهدافها وتتابع حسن وكفاية ادائها والرقابة عليها وزارة التعليم العالي، وعلى وفق القوانين الخاصة بذلك، سواءا أكانت قوانين الوزارة أم القوانين العامة الاخرى. اما الجامعات الخاصة والاهلية المؤسسة على وفق قانون خاص بها فعليها الالتزام بأحكامه، لكنها تتمتع بالاستقلالية لتحقيق أهدافها وفقا لما حدده مؤسسوها وممولوها.

ولا يمكنني في هذه المقالة ان لا أذكر ما هو عليه الحال بالنسبة للاستقلالية العلمية والحرية الاكاديمية في تأريخنا العربي والاسلامي وفي العراق خصوصاً، فما حققته الحضارات القديمة في العراق من سبق في العلوم والفن والقانون لم يكن إلا بفضل الاستقلالية العلمية التي حضي بها علماء ومفكرو تلك الحضارات ورعاية السلطة بأي شكل من أشكالها سواء أكانت أمبراطورية أو ملكية أم سلطانية بالمال أو الحماية.

أن ما ذكره قرآننا الكريم وشريعتنا الاسلامية من إجلال وإكرام للعلماء وما اكدت عليه من حرية الفرد في اعتناق الفكر والرأي والالتزام بالأحكام الدينية والموضوعية الحقة كان خير شاهد على حقيقة الايمان التام بأهمية الاستقلالية والحرية العلمية ليس للفرد عموماً فقط بل للعلماء والمدارس الفكرية في المجتمعات الاسلامية.

أرى وفي قراءتي التأريخية وفي تأريخ العلوم في المجتمعات الاسلامية ولاسيما في مرحلة الخلافة الإسلامية العباسية وحتى الوقت الحاضر، أن البحوث العلمية اتجهت باتجاهين :- الاول منها ما وُظفت للدولة أو السلطة وتوجهاتها ومُولت من قبلها وسخرت لأهدافها فأوجدت علماء أو مدارس علمية فكانوا علماء السلاطين مشابهين لوعاظ السلاطين وأما الاتجاه الثاني فمنها ما قامت بصورة مستقلة أو مُولت من جهات غير سلطوية خيرة مؤمنة بأهمية العلم والعلماء ورعايتهم وتحقيق استقلاليتهم، فنمت هذه المدارس وأبدعت في تلك المرحلة بفضل الحرية الفكرية المتاحة لها وتموليها المستقل عن بيت مال الدولة وسلطته المحكمة. هذا وما تزال هذه الصورة شاخصة في المدارس الدينية وغالباً ما نرى أن من يخضع لسلطة ورقابة الدولة وتموليها له نهج علمي خاص لا يمكن الجزم  بأنه يتمتع بالحرية الفكرية والاستقلالية التامة في حين نرى أن القسم الآخر الذي لا يخضع لسلطة ورقابة الدولة وتمويلها له نهج علمي خاص يمكن الجزم بأنه يتمتع بالحرية الفكرية والاستقلالية واكتفي بهذا القدر مما ذكرت من أمور اعتقدتها أنها أساسية ينبغي ذكرها عند الخوض في غمار هذا الموضوع.

أعود الى موضوع أستقلالية الجامعات العراقية وحريتها الاكاديمية وأؤكد أن أولى الجامعات العراقية وأمها جامعة بغداد فأن قانونها الصادر سنة 1958 اي في السنة الأولى لتأسيس تلك الجامعة والسنة الأولى للعهد الجمهوري اكدت أحكامه المختلفة على استقلالية الجامعة العلمية والإدارية والمالية ، ولكنه في الوقت نفسه أخضعها لرقابة ديوان الرقابة المالية لان تمويلها كان من موازنة الدولة بصورة تامة، وللأموال العامة حرمه ينبغي الرقابة عليها والتأكد من صحة استغلالها ونزاهة التصرف بها وهذا الامر ليس بجديد فحماية الأموال العامة كانت في مقدمة أحكام شريعة حمورابي التي سنت منذ الاف السنين ومن أهمها .

تمتعت جامعة بغداد حقاً باستقلاليتها وحريتها العلمية والادارية والمالية وكان لستقلاليتها المالية فضل أو أثر ايجابي كبير على استقلالها الاداري والمالي وقد تحقق ذلك باعتراف وزارة المالية والحكومة في السنة نفسها (1958) بأن جامعة بغداد لها شخصيتها المعنوية واستقلالها العلمي والاداري والمالي وأن رئيس جامعة بغداد لديه صلاحيات وزير المالية نفسها فيما يخص موازنة الجامعة ومجلس جامعتها لديه صلاحيات مجلس الوزراء بشأن موازنة الجامعات.

  إن المتغيرات التي حصلت على اسلوب تخصيص منحة الجامعة وربطها بالتخصيصات العامة لموازنة الدولة وتبوبيها، ومن ثم الزامها بالالتزام بكل ما يرد في قانون الموازنة السنوي من أحكام أضاع من استقلالية الجامعات المالية وقيد صلاحياتها المالية التي منحتها الدولة لها على وفق أحكام قانون التعليم العالي والبحث العلمي سواء السابق أم  النافذ حالياً وأثر تباعاً في استقلالية الجامعات العراقية الأدارية والعلمية.

وفقاً لإحكام قانون التعليم العالي والبحث العلمي ذي العدد 40 لسنة (1988) المعدل النافذ حتى يومنا هذا وإن الاستقلالية التامة كذلك الصلاحيات العلمية والإدارية والمالية التي مُنحت للجامعات العراقية وكلياتها إن نفّذتها الجامعات بكل دقة وبمسؤولية تامة يمكّنها في الوقت نفسه من تحقيق اهدافها على وفق الاهداف المسطّرة لها في القانون نفسه ، التي هي ذات الأهداف المطلوب تحقيقها من قبل الوزارة بوصفها جزءاً من الحكومة والدولة وليست خارجة او طارئة عليها.

وإن مشروع القانون الجديد المقترح من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي  – والذي هو في دور التشريع اللازم على وفق احكام الدستور – تضمنت مواده الاحكام اللازمة لتأمين الاستقلالية التامة للجامعات سواء أكانت علمية أم ادارية أم مالية، ولكن ضمن أحكام وأهداف القانون نفسه الذي يؤمن تحقيق أهداف الدولة الاستراتيجية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهي ليست شمولية في الوقت الحاضر ولكنها ينبغي ان تكون ذات أبعاد استراتيجية ، يتحمل قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات التابعة لها ومؤسساتها الاخرى  الممولة عن طريق موازنة الدولة مسؤولية كبيرة في تحقيقها.

أعود الى عنوان مقالتي هذه والتي عنوانها (( استقلالية الجامعات العراقية بين الواقع والطموح )) وفي ضوء ما ذكرته في المقدمة سلفاً أو في ضوء أحكام القوانين الخاصة بالتعليم العالي والبحث العلمي صدرت في النظام السابق وهي القانون (132) لسنة 1970والقانون (55) لسنة 1983 والقانون (40) لسنة 1988 وكذلك القانون المقترح الجديد المعروض على مجلس شورى الدولة حالياً وأوضح من وجهة نظري حقيقة الحريةالاكاديمية والاستقلالية العلمية والادارية والمالية للجامعات العراقية وما ينبغي ان يحقق للجامعات العراقية منها وتهيأة ظروفها ومناخها العلمي المتكامل لتمتعها بتلك الاستقلالية وما ينبغي أن يكون على تلك الجامعات من التزام دستوري وقانوني ونظامي من واجبات والتزامات وهنا قد يكون من الاصح أن نذكر المواد القانونية التي ركزت على استقلالية الجامعات العراقية فقد ذكرت المادة (19) من قانون التعليم العالي والبحث العلمي ذي العدد (132) لسنة 1970 الآتي :- (( للمؤسسات الرسمية شخصيتها المعنوية واستقلالها المالي والاداري وميزانية (موازنة) خاصة بها، ولها في سبيل تحقيق أغراضها المحددة في هذا القانون تملك الاموال المنقولة والعقار وحق قبول الوقف والتبرعات والهبات والوصايا إذا كانت مصادرها من داخل العراق، أما إذا كانت مصادرها من خارج العراق فلا يجوز لها قبولها إلا بعد موافقة الوزير )) .

       كما نصت المادة (28) من القانون على أن (( الجامعة حرم أمن ذو حصانة وهي أرفع وأصفى مصادر المجتمع الذي أناط بها أسمى أماناته، وعليها تقع مسؤولية تحقيق الاهداف السامية للتعليم العالي المقررة في هذا القانون )) .

       أما القانون (40) لسنة 1988 فقد جاء في المادة (19) منه أن (( الجامعة حرم أمن ومركز إشعاع حضاري وفكري وعلمي وتقني في المجتمع يزدهر في رحابها العقل وتعلو فيها قدرة الابداع والابتكار لصياغة الحياة، وتقع عليها المسؤولية المباشرة في تحقيق الاهداف الواردة في هذا القانون، وعليها أن تقوم بالدراسة والبحوث المستمرة في شتى جوانب المعرفة الانسانية والدراسات المتصلة بالحالة العلمية وواقع الاحتياجات الجديدة التي تضمن المستويات العلمية الرفيعة لتناسب العصر ومتطلباته وبما يؤدي الى تقليص الفجوة العلمية والتقنية الموجودة بيننا وبين الدول المتقدمة مع مراعاة خصوصية مجتمعنا واستلهام القيم الاصيلة )) .

       كذلك جاء في المادة (10) فقرة (1) الآتي :- (( للجامعة والكلية ومركز البحث العلمي والمعاهد العليا المرتبطة بالجامعةالشخصية والمعنوية والاستقلال الاداري والمالي والاهلية القانونية اللازمة لتحقيق أهدافها ويدير شؤون كل منها مجلس )) .

       أما القانون الجديد المقترح والمعروض على مجلس شورى الدولة فقد وردفي المادة (11) منه الآتي :- (( للمؤسسة التعليمية شخصية معنوية مستقلة علمياً وادارياً ومالياً )) .

أما الفقرة (2) من المادة (12) فقد ورد فيها الآتي :- (( تكون المؤسسات التعليمية (الجامعات، الهيئات، المراكز) مستقلة مالياً وتنفذ موازنتها السنوية بموجب القوانين والانظمة والتعليمات النافذة وبما لايتعارض معها ويكون لرئيس المؤسسة التعليمية صلاحية وزير المالية في تنفيذها ولمجلس المؤسسة التعليمية صلاحية مجلس الوزراء في ذلك )) .

 وبطبيعة الحال لم تغفل جميع القوانين السابقة ولا القانون النافذ الحالي ولا القانون المقترح في التأكيد على خضوع حسابات جميع الجامعات والهيئات من رقابة ديوان الرقابة المالية فقد جاء في القانون المقترح المادة (13-2) الاتي :- (( تخضع حسابات المؤسسة التعليمية لتدقيق ديوان الرقابة المالية )) .

       ففي ضوء تلك القوانين والاحكام الواردة فيها وفي ضوء تجربة العراق الخاصة في تحقيق الحرية والاستقلالية العلمية والادارية والمالية للجامعات العراقية يتطلب الأمر أن نستعرض واقع الحال أولاً لنتكلم لاحقاً عن الطموح .

       إن استعراض واقع حال استقلالية الجامعات العراقية يكون على أربعة مستويات وهي كالآتي :-

  1. الاستقلالية على مستوى ديوان الوزارة .
  2. الاستقلالية على مستوى رئاسات الجامعات .
  3. الاستقلالية على مستوى عمادات الكليات .
  4. الاستقلالية على مستوى رئاسات الاقسام العلمية .

وعند أستعراضنا لواقع الحال في تلك المستويات ومدى إيمانها باستقلالية الجامعات فأننا نرى أن ذلك يتفرع الى الآتي :-

أولاً / ديوان الوزارة

1. الوزير :-

       ان الوزارة ترعى شؤون التعليم العالي والبحث العلمي على وفق قانونها الذي سطرت فيه أهدافها واستراتيجيتها تتطلب أن تعهد الى وزير بدرجة أستاذ في اختصاصه ذو باع طويل في شؤون التعليم العالي والبحث العلمي العلمية والقانونية أو الادارية فيها فضلاً عن جهوده وأبحاثه العلمية الواسعة، وأن مثل هذا المنصب يجب أن يسند الى شخصية علمية شهيرة وليس الى أعتبارات حزبية أو سياسية أو غيرها ويفضّل أن يبقى في منصبه وزيراً لأطول مدة ممكنة تسمح له صحته في الاستمرار فيه سواء تغيرت الوزارة مرة ام عشر مرات فهو ثابت في هذا المنصب لأهمية استقرار هذه الوزارة في قيادتها وتحقيق أهدافها على وفق إستراتيجية ثابتة، وبنفس الوقت يمكن أن يحقق للجامعات والهيئات استقلاليتها الكاملة بحكم ما حدده الدستور والقانون الخاص بالوزارة لأن مثل هذه الشخصية أهل لمن يضع الخطوط الصحيحة الدقيقة لاستقلالية الجامعات على وفق القانون وليس أنفلاتيتها ” إن تصور بعضهم أن ذلك هو الاستقلالية ” .

 

2. الوكلاء والمستشارون والمدراء العامون :-

       يتألف ديوان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من وكلاء ومستشارين ودوائر عامة متخصصة في شؤون الوزارة وتنظيم علاقة ديوانها مع الجامعات والهيئات التابعة لها ولذلك حددت القوانين السابقة مستويات معينة لتولي ادارة هذه المناصب وهذه الدوائر وبمستويات معينة وفي تقديري أن تلك القوانين لم تكن موفقة في تحديد المستويات العلمية والخبرات الجيدة لشاغليها كما ان القانون (55) لسنة 1983 والقانون (40) لسنة 1988 أخفقا كليهما في إسناد الأمور القانونية والادارية والمالية لدائرة واحدة حيث ان هذه الامور توسعت الى درجة كبيرة بسبب المتغيرات العلمية والاقتصادية في العراق طيلة السنوات الثلاثين الماضية، لذلك تفوق القانون الجديد المقترح على سابقيه بتفكيك تلك الدائرة المترهلة بموظفيها وأعمالها الى ثلاث دوائر كل منها يرعى أاختصاص محدد القانونية والإدارية والمالية فضلاً عن ذلك اشترط على من يرأس جميع تلك المناصب أن تكون لديه درجة أستاذ وحاصلاً على  شهادة الدكتوراه في الاختصاص الذي سيديره وهذا سيعطي لديوان الوزارة قوة ادارية وقانونية وعلمية في قيادة الوزارة بفضل المستوى العالي وليس العكس .

       إن المستوى العالي لمسؤولي المناصب القيادية في ديوان الوزارة العلمية والقانونية والإدارية يجعل وجهات نظرهم وأداءهم متميزاً جداً تجاه الجامعات والهيئات ويأخذون في الحسبان مستوى الجامعات ورؤساءها وقياديها ويعرفون أهمية ومستوى أستقلالية تلك المؤسسات وماذكره القانون بشأنها ويجيدون التعامل معها .

3. الأقسام والشعب الادارية الاخرى :-

       ان ديوان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو رأسها القيادي لجميع مؤسساتها ( الجامعات والهيئات ) ينبغي الاّ يشغلها تدريسيون ذوو حملة شهادة دكتوراه وبدرجة أستاذ مساعد في الأختصاص في الأقل واما الشعب فينبغي أن يكون رئيسها حاصلاً على شهادة الماجستير في الأختصاص كذلك وفي الوقت نفسه لديهم الخبرة الكافية في الامور القانونية والادارية والمالية وهذا ما جاء به قانون التعليم العالي والبحث العلمي المقترح وإشترطه في إناطة هذه الوظائف القيادية الى مؤهلين بتلك الشهادات والخبرات، ولاشك أن في هذه الاشتراطات لم يكن يبغي فيها سوى أن يكون مستوى الاداء عالياً فيها متفهماً حقيقة العلاقة بين الرأس وبقية أعضاء الجسم أو أطرافه فأن لم تكن قيادة الوزارة عالية التأهيل العلمي والعملي، دقيقة في تعاملها مع مؤسسات الوزارة قد يفقد مبدء الاستقلالية في هذه الحالة إن صدرت توجيهات أو تعليمات تخالف القوانين أو تحد من الصلاحيات التي وردت فيها وخلافاً لها أو في حالة حدوث أخطاء تُحدث لبساً أو غموضاً فيعاب في هذه الحالة على الأعلى لعدم دقته أو كفاءته وتدخل في دوامة الجدل والنقاش أو الأخذ والرد الذي لاطائل ولافائدة منه سوى الاضرار بمسيرة الوزارة وقيادتها واستقلالية الجامعات وحريتها بالحدود التي أعطاها لها القانون .

ثانياً / الاستقلالية على مستوى رئاسات الجامعات

       أن استقلالية الجامعات والهيئات الاكاديمية والعلمية التابعة لوزارة التعليم العالي وتحقيق استقلاليتها العلمية والقانونية والادارية والمالية والتمتع بشخصيتها المعنوية مرهونة بدرجة كبيرة جداً برئاسات وقيادات تلك الجامعات فحين أشترطت جميع قوانين التعليم العالي والبحث العلمي أن تناط بأساتذة متخصصين يتم أختيارهم بترشيح من وزير التعليم العالي ومرسوم جمهوري فشلت تلك القوانين في تحديد درجة ومؤهلات رئيس الجامعة وماينبغي أن يكون عليه من خبرة قانونية وأدارية ومالية فضلاً عما يتمتع به من مؤهلات علمية، الا أن قانون التعليم العالي والبحث العلمي المقترح أوكل مهمة الترشيح لهذا المنصب بانتخاب أعضاء مجلس الجامعة ومن بينهم وليس غريباً عنهم وفي تقديري أن هذا المبدء الجديد – القديم – يحقق ديمقراطية الترشيح وكفاءته لأن أعضاء مجلس الجامعة سيكونون أفضل من يستطيع اختيار قيادتهم وتولي رئاسة زمام أدارة أمورهم وشؤون الجامعة بخبرته الطويلة في جميع شؤون الجامعة ولاغرابة في ذلك لأنهم جميعاً منتخبون وليس منصبون كما هو الحال غالباً منذ عدة عقود فيما عدا انتخابات ما بعد انهيار النظام غير الموفقة في أغلبها وغير المكتملة لشرعيتها عموماً .

       إن انتخاب مثل هذه الشخصية المتميزة والكفوءة سيكون أفضل مَنْ يستطيع أن يعرف ما هي استقلالية جامعته وماهي حدودها وما لها وما عليها تجاه الوزارة والجهات الحكومية العليا والدولة الممولة لها، وإن المسؤول عن زمام جامعته لابد أن من أن يكون حكيماً في  أختيار مساعديه ومدراء الاقسام والدوائر التابعة له في ديوان الجامعة أو رئاستها بأفضل المتخصصين الاكفاء الجديرين باستلام هذه المواقع ومن ذوي المؤهلات العلمية وبعكسه فهم سوف لن يعرفوا ماهي طبيعة مهماتهم الاساسية وليس فقط مبدء الاستقلالية .

ثالثاً / الاستقلالية على مستوى عمادات الكليات

       أما الاستقلالية على مستوى عمادات الكليات فقد أنفرد القانون ذو الرقم (40) لسنة 1988 بالاحكام الواضحة على منح الاستقلالية للكليات من ضمن الجامعات نفسها وذلك بالتوسع الكبير في الصلاحيات العلمية والإدارية والمالية لمجالس الكليات وعماداتها ولاسيما في الجوانب العلمية وذلك لتأمين مرونة وسهولة أداء أعمالها العلمية وما تقتضيه من مرونة في إداء أعمالها الإدارية والمالية لتحقيق كفاءة أدائها العلمي الذي ينبغي أن يكون متميزاً .

       إن اسلوب الاختيار الديمقراطي لعمادات الكليات من قبل رؤساء الاقسام العلمية وأعضاء مجلس الكلية يحقق اختياراً مناسباً لشخصية علمية متميزة ذي مؤهلات علمية وخبرة قانونية وادارية ومالية مناسبة جداً لتولي زمام أمور هذا الصرح العلمي ومما لاشك فيه إن الكلية التي يتسنمها عميد ورؤساء أقسام منتخبون وليس منصبين على وفق أسس وشروط جامعية تتميز بالديمقراطية والشفافية والنزاهة اللازمة تحقق أفضل إدارة لكلية تحقق الالتزام التام بالقوانين والانظمة والتعليمات الجامعية التي توضح ما لها من واجبات وألتزامات سيساعد كثيراً على ضمان الالتزام بمبدء الاستقلالية الجامعية الصحيحة التي توضح مستوى التعامل مابين رئاسات الجامعات والوزارة كجهات عليا ورئاسات الاقسام العلمية كوحدات تابعة لها ( دنيا) وهذا ماتضمنه قانون التعليم العالي والبحث العلمي المقترح الذي تميز بالتأكيد على مبدء الانتخاب ودقة الاختيار لعمداء الكليات .

رابعاً / الاستقلالية على مستوى رئاسات الاقسام العلمية

       عرّفت جميع قوانين التعليم العالي والبحث العلمي السابقة وقانون التعليم العالي والبحث العلمي المقترح القسم العلمي بأنه الوحدة الاساسية في التعليم العالي والبحث العلمي ومُنح مجلس القسم العلمي الصلاحيات العلمية والادارية والمالية الكافية لضمان سير الانشطة العلمية بالكفاءة اللازمة لحسن الاداء ومُنحت تلك الصلاحيات الى رئيس القسم العلمي الذي يرشح بالأنتخاب وليس بالتنصيب الذي قد لايخضع للأسس الاكاديمية بل لأسس أخرى وأن أنطبقت عليه الشروط المنصوص عليها في القانون إلا أنه ليس الأمثل أوالكفوء بأشغال هذا المنصب العلمي المهم لذلك جاء قانون التعليم العالي والبحث العلمي المقترح بمبدء الانتخاب باقتراع سري يجريه مجلس القسم لترشيح اثنين لا تقل مرتبتهم عن أستاذ مشارك ( أستاذ مساعد) لاختيار واحد منهم .

       وإن الاختبار المناسب جداً لرئاسة القسم العلمي الذي عليه تسيير الامور في القسم الذي يطبق ما نص عليه القانون وماتقتضيه طبيعة العلاقة مابين عمادة الكلية ومجلسها وإدارة الأمور وفقاً لما تتضمنه القواعد القانونية من علاقة بين الجامعة والوزارة بحسب أحكام القانون بالسرعة والدقة المناسبين سيحقق الاستقلالية للقسم العلمي بشأن تلك القيم والكلية .

       إن ماذكر آنفاً من أحكام قانونية وتفاصيل تعبر بحسب وجهة نظري الاحكام التام لمبدء الاستقلالية والتناسق والتوافق التام بين صلاحيات الوزارة والجامعة والكلية ورئاسة القسم العلمي وبما يؤمن الأداء المتكامل الدقيق والصحيح في الأداء وضمن مسؤوليات الاعلى والادنى في التعليم العالي والبحث العلمي وماذكرناه سابقاً يوضح واقع استقلالية الجامعات العراقية .

       أما الطموح في استقلالية الجامعات العراقية في ضوء ماذكرته سابقاً من معلومات وأحكام وقوانين وحسبما يقتضي النظر الى هذا المبدء من كونه أهم المبادئ الجامعية وحريتها في تحقيق أهدافها في ضوء الاستراتيجية العامة للدولة وفقاً لأحكام دستورها وقوانينها الأساسية التي أهمها قانون التعليم العالي والبحث العلمي الذي أستبدل ثلاث مرات ومشروع القانون الرابع مطروحاً على طاولة مجلس شورى الدولة ينتظر دوره في التشريع فضلاً عن ذلك أن هذه الجامعات والمؤسسات التعليمية لايمكن لها ان تستمر في إداء أنشطتها المختلفة لولا موازنة الدولة وخزانتها التي تمولها وفقاً لموازنات تقديرية توضع من قبلها وإن كان التمويل غالباً شحيحاً لايرقى إلى مستوى الحاجة الفعلية لتلك الجامعات والمؤسسات والتي أرى أن ذلك أكبر معوق لتقدم هذه الجامعات في إداء رسالتها الا إننا نرى أن تحقيق الاستقلالية العلمية والادارية والمالية لتمكين الجامعات العراقية في تحقيق رسالتها الاكاديمية والتعليمية الهادفة على وفق قانون التعليم العالي والبحث العلمي ضمان التعليم الجامعي الراقي لجميع أبناء الشعب المؤهلين له يتوقف على العوامل الآتية :- 

1. القـوانيـن والانظـمة الجامعـية :- 

       وأنا أتحدث في بحثي هذا عن الجامعات الحكومية وليس الخاصة فأن وجود قوانين خاصة بالتعليم العالي تضمن استقلالية الجامعات وحريتها الاكاديمية في ضوء تلك القوانين وكونها وزارة من ضمن وزارات الدولة، أمر لايمكن التفريط به أو الحياد عنه لأنه بدون ذلك ستصاب الاستقلالية بالعدم ( الموت) الذي لايحمد عقباه فتكون عندها  إلى انفلاتية لايحمد عقباها وغير هادفة أو محمودة نتائجها فضلاً عن احتمالات عدم الكفاءة التي تشوبها مظاهر فساد – أداري ومالي – الذي لاينبغي أن يكون له وجود في مؤسسات التعليم العالي، لذا لابدّ من أن يوحّد العمل في هذه الجامعات والمؤسسات بوضع أنظمة جامعية متقدمة ومتطورة تنقح أو تعدل أو تبدل بحسب المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في العراق والعالم ولاينبغي أن تكون هذه القوانين والأنظمة ثابتة أو غير متغيرة أو بعيدة عن التعديل والتطوير وكلما كان ذلك يصبح واجباً نعمة التحديث والتطوير والتي هي من مهمات الجامعات والمؤسسات التعليمية .

2. القيادات الوزارية والجامعية العلمية والادارية :-

بشأن هذه النقطة فارى أن ماذكر عنها في الصفحات السابقة كان واضحاً جداً في تحديد أهميتها ولكننا نعود ونؤكد أن الطموح في تحقيق استقلالية الجامعات العراقية يقع أولاً على عاتق قيادتها التي يجب أن تكون من أنزه وأكفأ منتسبيها وأعلاهم مستوعلمياً مشهوداً لهم بذلك من بحوث ومؤلفات وجهود علمية مبتكرة وأصيلة في الساحة العلمية العراقية والعربية وحتى العالمية، وإن أنتخاب وأختبار هذا المستوى من القيادات ينبغي أن يكون أمراً متفقاً عليه بصورة قاطعة ولاجدال فيه لأن هذه المبادئ أصيلة ثابتة وراسخة في جميع جامعات العالم الرصينة لاتحتاج إلى دليل أو برهان، بل بالعكس إنا لدينا الأدلة الكثيرة بما حصل عند تنصيب ممن هم ليسوا بهذا المستوى فكانت وما زالت إخفاقاتهم العلمية والإدارية واضحة وأحدثت وتحدث أشكالات كبيرة، وأنا أرى جازماً أن لهذا العالم أهمية كبرى في تحقيق استقلالية الجامعة لأن عظمة العلماء وجلالهم يفرض مبدء الاستقلالية والاحترام لأدائهم وقراراتهم والادلة على ذلك كثيرة .

3. موازنة الجامعات المالية أو استقلاليتها المالية :-   

    أن تخطيط موازنة الجامعات السنوية على وفق أحدث وأفضل قواعد التخطيط المالي وعلى قواعد علمية مالية ومحاسبية كلفوية عامل مهم في تحقيق استقلالية الجامعة المالية وتخطيط وتدبير احتياجاتها المالية السنوية لتحديد مبلغ المنحة التي ينبغي أن ترصد لها في موازنة الدولة على وفق المبدء الجديد ( القديم ) المقترح في مشروع قانون التعليم العالي والبحث العلمي، وإن وضعت تقديرات المنح التي تحتاج اليها الجامعة ينبغي أن تقر تلك المنح وألاّ تخفض بصورة عشوائية أو كيفية بل أن تطلب ذلك على وفق قواعد وأسس علمية، فإن توفرت الاموال اللازمة حقاً لتسيير نشاطاتها ففي ذلك تحقيق كبير لاستقلالية الجامعات الذي تصبو إليه ومن متابعتي لهذا الأمر في الجامعات العراقية لخمسين عاماً وبصورة عملية فأنا على دراية تامة بتأثير هذا العامل في كفاءة أداء الجامعات حيث كان عدم توفير الاموال اللازمة أثراً سلبياً في الأداء وأشغال الجامعات ومسؤوليها بهذه المشكلة أكثر من أشغالها بالأداء العلمي الاكاديمي ولاننسى أهمية الصلاحيات المالية التامة في التصرف بالأموال المخصصة لها وتمتع قياداتها بصلاحيات وزير المالية نفسها ومجالسها بصلاحية مجلس الوزراء في تنفيذ موازناتها.

4. القيم والاعراف الجامعية وأثرها في استقلالية الجامعات العراقية :-   

       منذ تأسيس أول جامعة في العراق حاول رؤساؤها الثلاثة الأول بما عرف عنهم من علمية ورصانة وشهرة في الأوساط العلمية العراقية والعربية والعالمية فضلاً عن دراستهم في أرقى الجامعات العالمية وحصولهم على شهاداتهم بتفوق وتميز إلى جانب خبرتهم الادارية الجيدة، حاول هؤلاء الكبار ترسيخ القيم والأعراف الجامعية في جامعة بغداد التي رأسوها، وكان ذلك متجلياً في الآتي :-

أ‌.       الاحترام التام لأعضاء هيئة التدريس .

ب‌.  الدقة التامة في اختيارهم .

ت‌.  الدقة التامة في ترقياتهم .

ث‌.  الدخل المادي المناسب لمعيشتهم .

ج‌.   إلزام وزارات الدولة ومؤسساتها بالاحترام التام في التعامل مع أعضاء هيئة    التدريس .

ح‌.   إعطاء الجامعة مكانتها في المحافل العلمية والأدبية والاجتماعية في البلد .

خ‌.   التكليف بعمادات الكليات والأقسام العلمية بالأقدمية العلمية والوظيفية كعامل أساسي .

د‌.  الحرية التامة في منح الاجازات الدراسية والزمالات الدراسية والبعثات والتفرغ العلمي لمنتسبيها لتوفير هيئة تدريس بمستوى عالٍ .

ذ‌.  السماح لأساتذة أساتذة عرب وأجانب من جامعات عالمية رصينة للعمل بعقود أو زائرين لمدة محددة ومنحهم رواتب ومخصصات مناسبة .

ر‌.  إقامة المؤتمرات والندوات العلمية والاجتماعية في المناسبات المختلفة أو دورية .

وإن ماذكرته أعلاه كان في نهاية الخمسينات وفي أثناء مرحلة الستينات من القرن الماضي، وإن أستمرت أو تغيرت تلك القيم والأعراف التي ذكرتها وإن كانت هي هذه أوغيرها إن عملت بها الجامعات أو لم تعمل في النظام السابق أو بعده فأن تلك القيم والأعراف ينبغي أن تُفعّل في تلك الجامعات لتكون بأفضل وأرقى مستوى ممكن وأن توفر الجامعات لها في موازناتها ماينبغي من أموال لتحقيقها لأن تلك القيم والأعراف كلما تحققت وعلا مستواها كلما دلّ على استقلالية تلك الجامعات ورصانتها – هذا ما اعتقده والله أعلم – .

5. الجامعة وحضورها في المجتمع وأثره في استقلاليتها :-

       تكلمنا في مقدمة مقالتنا هذه عن الجامعات وأهداف تأسيسها من قبل الدولة او غيرها فأن هناك أهدافاً يتطلب انجازها على وفق القوانين والانظمة التي تحدد قواعد ذلك ومتطلباته، وفي رأيي أن لذلك أهمية كبيرة لاستقلالية الجامعات وبطبيعة الحال إني أفضّل أولاً وآخراً في مقالتي هذه هو الجامعات العراقية، فكلما عملت الجامعة بكفاءة عالية لتحقيق أهدافها وفقاً للاستراتيجية المحددة لها كلما أنعكس ذلك في احترامها وتقديرها في المجتمع وذلك ينجم كفاءة خريجيها وتفوقهم وكفاءة تدريسيها في تقديم الاستشارات العلمية والأقتصادية والأدارية والأنسانية المختلفة كلما كان لذلك أثراً في تحقيق الجامعة مكاسب معنوية واعتبارية من جهة ومردودات مادية ومالية من جهة أخرى وفي ذلك تعزيز لاستقلاليتها .

6. أجهزة الدولة العليا والوزارات ومؤسسات الدولة الأخرى وطبيعة تعاملها مع الجامعات وأثره في استقلاليتها :-   

 من العوامل المهمة الأخرى في تحقيق استقلالية الجامعات العراقية في طبيعة تعامل أجهزة الدولة العليا مع الجامعات، إذ لابدّ من أن تنظر الجامعات بأنها مؤسسات حكومية أكاديمية منتسبوها علماء ومنظرون وذوو كفاءات علمية وعملية متميزة يوظّفون علومهم ونظرياتهم وكفاءاتهم العلمية لتخرج موارد بشرية مؤهلة تأهيلاً علمياً وعملياً عالي المستوى أي أن يكون تعامل أجهزة الدولة العليا من رئاسة الجمهورية ونوابها ومجلس الوزراء ونوابه والوزراء ومن هم بدرجاتهم أن يعزز من حرية هذه الجامعات استقلاليتها وعدم إصدار أي أمر أو توجيهات مخالفة لما ورد في الدستور وقانون التعليم العالي والبحث العلمي وأنظمته الداخلية والأسس والقيم الجامعية، أما الوزارات والمؤسسات الأخرى فيتطلب أن تتعامل مع الجامعات والهيئات كونها مؤسسات عالية المستوى علمياً ونظرياً وتطبيقياً يمكن أن تستفيد منها لحل مشاكل عملها العلمية والتطبيقية والإدارية والمالية والمحاسبية سواء بالاتفاق المباشر مع الأساتذة والمختصين فيها أم بحسب الية يتفق عليها أو عقود تبرم مع مكاتبها الاستشارية أو بأنه صيغة قانونية ونظامية أخرى، أن هذا العامل له تأثير كبير في تحقيق استقلالية الجامعات وحريتها في توظيف طاقاتها في خدمة المجتمع كما هو مسطّر في أهدافها في القانون كذلك يحقق موارد مالية مناسبة لها ولمنتسبيها جميعاً فضلاً عن تعزيز الاحترام والتقدير العلمي العاليين بين مؤسسات الدولة والجامعات العراقية .

هذا ما أراه وأقترحه في بيان حقيقة واقع استقلالية الجامعات العراقية وما ينبغي أن تكون وما تطمح إليه من حرية أكاديمية واستقلالية علمية وادارية ومالية، لا أدعّي أن ما ذكرته هو الكمال بل أنه يعزز بالحوار والنقاش إن كانت هناك وجهات نظر ورؤى مؤيدة أو مخالفة، إن ما تناولته في مقالتي هذه هو من إطلاع وممارسة ومساهمة في تحقيق هذه الاستقلالية لا بل نضال أمتد إلى نصف قرن في تحقيق حرية واستقلالية الجامعات العراقية لتكون بالحصانة والرصانة لتحقيق الأهداف المطلوبة منها في الوقت نفسه من التسيب التي يتصورها بعضها أنها هي الاستقلالية الجامعية ولكنها في حقيقة الأمر هي الدمار التحتي للأسس الجامعية الجامعية وأنا مستعد لأثبات ذلك إن تطلب الأمر .

 

… ومـن الله الـتوفـيق ..

 

أ.د. ماهر موسى العبيدي

أكاديمي عراقي

 

 

]]>
https://www.al-obaidy.com/uni_independenc/feed/ 0